
قراءة في مفهوم القانون وغاياته وضمانات تطبيقه في ضوء الفقه الإسلامي
تتناول الدراسة الحاجة إلى القانون بوصفه أداة لتنظيم العلاقات الاجتماعية وحماية الحقوق وتحقيق العدالة والاستقرار، وتعرض مفهومه وغاياته في ضوء رؤية الإمام الشيرازي، مع بيان خصائص القانون الإسلامي وضمانات فاعليته، وعلاقة الحرية بالقانون، وأهمية القناعة والأخلاق في تطبيقه، ثم تناقش عصرنة الفقه وحدود التقنين بما يحفظ مرونة الاجتهاد ويستجيب...
المقدمة
تنبع الحاجة إلى القانون من طبيعة الحياة الإنسانية القائمة على تعدد المصالح والحاجات والعلاقات، وما يرافق ذلك من احتمالات التعارض والتصادم بين الأفراد والجماعات. ومن هنا يصبح القانون أداة أساسية لتنظيم السلوك الاجتماعي، وضبط الحريات، وحماية الحقوق، وتحقيق قدر من العدالة والاستقرار داخل المجتمع. غير أن فاعلية القانون لا ترتبط بوجود النصوص وحدها، بل بطبيعة المبادئ التي يقوم عليها، والغايات التي يسعى إليها، ومدى انسجامه مع حاجات الإنسان المادية والروحية، وقدرته على تحقيق التوازن بين الحرية والنظام.
وتتناول هذه الدراسة، من خلال قراءة كتاب «الفقه القانون» للإمام السيد محمد الشيرازي، مفهوم القانون والحاجة إليه وغاياته وخصائص القانون الإلهي، ثم تبحث في ضمانات تطبيق القانون وإطاعة الناس له، وعلاقة ذلك بالقناعة والأخلاق والبيئة الاجتماعية، قبل أن تتناول قضية عصرنة الفقه وتقنين الشريعة، وحدود التقنين وشروطه، بما يحفظ للاجتهاد مرونته وقدرته على الاستجابة للمتغيرات من دون الانفصال عن الأصول الشرعية الثابتة.
لماذا يحتاج الإنسان إلى القانون؟
إحدى أهم المشكلات التي تواجه العالم البشري هي حالة التصادم التي تعيشها المجتمعات في كيانها نتيجة التباينات في المصالح والأفكار، والتي تضعها أمام الأزمات التي تعصف بها وتهز أركانها وأسسها، وقد تقودها نحو الحرب، وهذا يعني أن تكون هذه المجتمعات هشة وضعيفة وسهلة الانفراط والوقوع في الطريق المسدود الذي لا ينفتح أمام العدل والسلام والاستقرار، التي هي من أهم أماني وأحلام البشرية.
ولا شك أن تلك الأنانية المفرطة التي تلازم الإنسان هي التي تجعله متمسكًا بمصالحه الشخصية والذاتية، مهما كانت الظروف والنتائج والسبل التي يختارها لتحقيق أطماعه. ولا ننسى أن معظم الحروب وقعت نتيجة لذلك الشره البشري الذي لا يعرف حدودًا وقيودًا لإشباع رغباته ونزواته. والتاريخ لا يزال يئن ويتألم نتيجة لذلك الظلم المتراكم، عبر تجاوزات ارتكبها الطغيان البشري ليعتدي على حريات الآخرين ويلتهم حقوقهم.
ولكي يتم فك التشابك والاختلاف الذي قد يحصل بين أفراد المجتمع، ووضع حد لأولئك الذين لا تقف أطماعهم عند حد، كان لا بد من وجود معايير ومبادئ يرجع إليها المجتمع لتنظيم السلوك الاجتماعي، وفك التصادمات، والحفاظ على الحقوق المشروعة لكل فرد. ذلك أن الإنسان «كائن اجتماعي بفطرته وطبيعته لا يستطيع أن يعتزل الناس؛ لأنه عاجز بمفرده عن الوفاء بحاجاته، وذلك يستتبع وجود علاقات عديدة بين أفراد المجتمع، وهي علاقات لا يمكن أن تُترك فوضى ينظمها كل فرد وفق رغبته ومشيئته، لذلك لا بد من وجود قواعد موضوعة تهدف إلى إقامة التوازن بين الحريات المتعارضة والمصالح المتضاربة، محققة بذلك العدل والاستقرار»(1).
فهذه العلاقات الاجتماعية المعقدة والمتشابكة تفرض وجود ضوابط تستوعب التناقضات المتداخلة والمصالح المتعارضة، فكل فرد يرى أن لحريته وحاجاته الأولوية، وهذا لا شك سوف يؤدي إلى الصدام إن لم توجد هناك مبادئ تبلور مفهوم الحرية كسلوك ونظام اجتماعي رادع لفك التداخل، والإنسان الذي تحركه النوازع الفردية والحاجات الاجتماعية لا يخضع تلقائيًا للنظام، بل لا بد من عملية ضبط اجتماعي تحتوي نزعة الإنسان الفردية في النظام الاجتماعي العام. ومن هنا فإن «النظام في المجتمع ليس سلوكًا غريزيًا ولا تلقائيًا، ولكنه ينجم عن الضبط الاجتماعي ويتوقف عليه»(2).
إن عملية الضبط الاجتماعي وتنظيم الحريات والمصالح عبر وجود قواعد وأحكام هي ما أُطلق عليه اسم «القانون»، بحسب الاستعمال الأكاديمي الحديث، والذي يرادف مصطلحات أخرى أيضًا تطابق في معانيها كلمة القانون، وتبحث عن غاية واحدة، وهي التنظيم الاجتماعي. لذلك يعد «القانون من أهم وسائل الضبط الاجتماعي، بل هو الوسيلة الأساسية التي يعتمد عليها المجتمع المنظم في ضبط سلوك أفراده»(3). ويرى أحد الباحثين، وهو روسكو باوند: «إن القانون هو علم الهندسة الاجتماعية الذي يتحقق من خلاله تنظيم العلاقات الإنسانية في المجتمع المنظم سياسيًا، أو الضبط الاجتماعي عن طريق الاستخدام المنهجي المطرد لقوة المجتمع المنظم سياسيًا»(4). فالقانون، بحسب الآراء التي مرت، يقوم بدور أساسي في حفظ لحمة المجتمع والحفاظ على استقراره وتماسكه عن طريق توفير العدالة والأمن والحرية، عبر الالتزام بالنظام والقواعد التي تأمر بها السلطة العليا.
ولكن يبقى هذا الكلام على المستوى النظري، أما على المستوى العملي، فهل يحقق القانون تلك الأهداف التي يتوخاها واضعوه، وهل إن التركيبة التي يشتمل عليها القانون من قواعد وأسس قادرة على تحقيق تلك الأهداف؟
الواقع العملي أثبت عدم قدرة الكثير من الدساتير الوضعية على تحقيق تلك المثل العليا، بل إنها في بعض الأحيان أدت إلى تصاعد الظلم والفوضى والاستغلال والعبودية، خاصة عندما يتعلق الأمر بسلطة مستبدة. وهذا الأمر يرتبط بالجوهر الذاتي للقانون الوضعي ومفهومه المعنوي، ولا يتوقف على الكيفية السليمة التي يتم بها تنفيذه، باعتبار أن واضع القانون هو الإنسان نفسه، المتحيز إلى اعتباراته الخاصة ومصالحه الشخصية، والخاضع لظروف الزمان والمكان المحدودة، مهما كان هذا الإنسان نزيهًا أو محايدًا. ولذا فإن مفهوم العدل هنا لا يكون إلا نسبيًا وضيقًا، يراه واضع القانون من خلال زاويته البشرية الضيقة. والعدل بمفهومه الشمولي والاستيعابي غير المحدد وغير المتحيز، والقادر على توفير تلك الأهداف العليا، لا يتحقق إلا من واضع يمتلك تلك الخصوصيات، ومن هنا يتميز القانون الإلهي بأنه أقدر على تحقيق العدل والأمن والاستقرار والحرية، باعتباره يمتلك الموضوعية المحايدة في التشريع والتقنين.
والمشكلة الأساسية التي تواجه العاملين على تطبيق الشريعة الإسلامية، باعتبار أنها تستند إلى الرسالة السماوية في قوانينها، تتجلى في أمور، منها:
1- الإعراض عنها والتمسك بالقوانين الوضعية التي أفرزتها الحضارة الغربية المعاصرة، بعد أن نادت بفصل الدين عن الدولة.
2- التطبيق السيئ الذي قامت به بعض الدكتاتوريات في استغلال الدين كواجهة لتحكيم سلطاتها الاستبدادية المطلقة.
3- عدم وجود صياغة حديثة لبعض القوانين الإسلامية التي لا تزال بالأسلوب القديم نفسه، أو في إطار الكليات التي تحتاج إلى تطبيق دقيق على مصاديقها، وهذا الأمر يؤدي إلى عدم استيعابها وفهمها بشكل واضح.
كل هذه الأسباب جعلت المرجع الديني الكبير الإمام السيد محمد الشيرازي يقوم بعمله العظيم في دراسة القانون وصياغته وفق التشريع الإلهي، لإعطاء الشريعة الإسلامية صورتها الأصيلة بوصفها شريعة قادرة على تحقيق المثل الإنسانية العليا.
وهذه ليست أول انطلاقة مبدعة للإمام الشيرازي في تجديد الفكر الإسلامي وصياغته بأسلوب حضاري جديد يتناسب مع المستجدات والمتغيرات الكبيرة، فقد كتب سماحته عن السياسة والاقتصاد والحقوق وأبواب كثيرة أخرى، وجاء كتاب «الفقه القانون» لتتويج أعماله الفكرية المبدعة. ولا شك أن قراءة هذا الكتاب سوف تغنينا عن الكثير من الأفكار والرؤى، وتفتح الأبواب أمامنا لفهم القوانين الإسلامية بشكلها الصحيح والعصري، خاصة عند مقارنتها بالقوانين الوضعية.
يرى الإمام الشيرازي أن الحاجة إلى القانون لا تتوقف على احتياج الإنسان إلى المجتمع ولا على الضبط الاجتماعي فقط: «فالقانون إنما نشأ من احتياجات الإنسان الجسدية والروحية، وأصول الاحتياجات الجسدية المستدعية لوضع القانون: المسكن والملبس والمركب والطعام ونحوها... كما أن أصول الاحتياجات الروحية عشرة أيضًا: الإيمان والفضيلة والعلم والتقوى والتقدم والأمن والاستقلال والحرية والمساواة والعدالة»(5).
وبمعرفة لماذا يحتاج الإنسان إلى القانون يمكن معرفة نوعية القانون الذي يلائم الإنسان وحياته، ذلك أن علم القانون الوضعي حدد الحاجة إلى القانون في الحاجات المادية وتنظيم العلاقات الاجتماعية، والحال أن الحاجة إلى القانون أعم من ذلك، كما يرى الإمام الشيرازي: «إنما احتاج الإنسان القانون لأنه إنسان له حوائج فردية واجتماعية في مختلف الجوانب، ولو فرض أن إنسانًا عاش وحده في غابة أو كهف لاحتاج أيضًا إلى القانون الذي ينظم سلوكه مع نفسه، مضافًا إلى القانون الذي ينظم سلوكه مع خالقه ومع الكون بصورة عامة. فالقانون لازم لتنظيم شؤون المجتمع مهما كان المجتمع بدائيًا أو متوسطًا أو مثاليًا، حيث إن اللازم أن يكون هناك مقياس لسير الفرد والاجتماع في مختلف جوانب الحياة»(6).
ومن هنا فإن الإمام الشيرازي يعتبر أن القانون يتكون مع الإنسان، فهو متأصل معه وذاتي، على خلاف أولئك الذين يرون القانون بأنه عرضي يوضع لكبح جماح الإنسان وضبطه اجتماعيًا، باعتبار أنه شرير وأناني بطبيعته التكوينية: «فالإنسان مطبوع على الشر، ولولا تطبعه بالخير عن طريق اكتساب صفته الاجتماعية لصار حيوانًا لا يتعامل إلا على أساس قانون الغاب، ولما تيسر للمجتمع التكون أو البقاء، فالإنسان بطبيعته كما يقول هبز وحشي أناني، والحالة الطبيعية حالة حرب وعدوان، حالة ليس فيها عدل ولا قانون ولا ملكية، فهذه النظم من صنع الدولة»(7).
معنى القانون
القانون في اللغة، كما في «لسان العرب»، يعني: الأصل، وقانون كل شيء طريقه ومقياسه. وفي «المعجم الوجيز»: القانون في الاصطلاح أمر كلي ينطبق على جميع جزئياته التي تتعرف أحكامه منه. فالقانون في اللغة يحمل معنى عامًا يطلق على «كل قاعدة أو قواعد مطردة حمل اطرادها معنى الاستمرار والاستقرار والنظام»(8).
ولا شك أن معرفة معنى القانون تغنينا كثيرًا في فهم أبعاد القانون من ناحية الخصائص والضيق والتوسع. فقد اختلف الباحثون في معنى هذه الكلمة، حيث يرى الأكاديميون أن القانون مصطلح يحمل معنى ضيقًا، فالقانون عندهم: «هو مجموعة القواعد العامة الجبرية التي تصدر عن إرادة الدولة وتنظم سلوك الأشخاص الخاضعين لهذه الدولة»(9). أي إن «اللغة القانونية رصدته بوجه عام للدلالة على مجموع قواعد السلوك الملزمة للأفراد في المجتمع»(10). ويرى ترمان آرنولد: «إن هناك في كل مجتمع من المجتمعات عددًا لا يحصى من القواعد والعادات والإجراءات والتدابير التي لها صفة الإجبار، وكل هذا ما يطلق عليه في العادة صفة القانون»(11).
ويُفهم من كلمات المراجع القانونية أن كلمة القانون، في المصطلح الحديث، تحمل معنى الإجبار والقسر والإلزام بالقوة؛ لأنها «قواعد ملزمة تنظم سلوك الأشخاص في المجتمع، على أنه يُفهم من معنى الإلزام بأن له جزاءً ماديًا توقعه السلطة العليا في الجماعة»(12).
ولكن ماذا نستكشف من قراءة كتاب «الفقه القانون» في تعريف القانون، وماذا يرى الإمام الشيرازي في معناه؟
يرى سماحته أن كلمة القانون ليست بالمعنى الضيق الذي فسره الأكاديميون، بل القانون كلمة تحمل في طياتها معاني أوسع من المعنى الاصطلاحي، حيث إن «القانون قد يطلق بالمعنى العام مثل إطلاق الإنسان على الكلي الشامل للأفراد الخارجية، وقد يطلق على المصاديق الخارجية لهذا الكلي العام، مثل القانون التجاري والقانون الدولي والقانون المدني...».
وكذلك فإن القانون عند سماحته لا يحمل معنى الإلزام والقسر الذي تفرضه السلطة على الفرد كواجب مكره عليه في الالتزام بمسؤولياته الاجتماعية، بل إن القانون عند الإمام الشيرازي هو مسؤولية ذاتية يتحملها الإنسان باقتناع ووعي وإيمان، حيث يقول سماحته: «وربما عُرّف القانون بأنه معرفة كل ما يلزم على الإنسان أن يعمله تجاه نفسه وربه، وتجاه أسرته، وتجاه محيطه، وتجاه الطبيعة حيوانًا أو نباتًا أو جمادًا، فقد قال علي (ع): إنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم».
لذلك فإن القانون يحمل معنى جامعًا كليًا لا يقتصر على معنى «الجزاء الرادع»، إذ إن «القانون بهذا المعنى يشمل الشريعة بمختلف فروعها الفقهية والأخلاقية والتربوية، مما يعم قانون الفرد والحكومة في مختلف مجالات الحياة»(13). وهذا الرأي يعبر عن نظرة شمولية لمسألة القانون؛ لأن القانون ليس مجرد آلية تحتوي على مجموعة قواعد جامدة تأمر وتنهى، بل القانون السليم هو الذي ينبعث من كافة المستويات ويندمج مع مختلف الجوانب الثقافية والأخلاقية والتربوية، بحيث يتكامل مع العناصر الأخرى لتحقيق المثل الإنسانية والإلهية العليا.
الغاية من القانون
إن من أهم الإشكاليات التي تواجه القانون وتضعه تحت مرصد النقد عدم وضوح الغاية الأساسية من وضعه، وهذا الغموض هو الذي أدى إلى استغلال القانون استغلالًا سيئًا أفقده مصداقيته في كثير من الأحيان. فتارة لا يتوانى أرباب المصالح الخاصة عن استخدام القانون وصياغته بحسب ما تهدف إليه منافعهم، وأخرى تستخدمه السلطات المستبدة لتبرير شرعيتها المطعون فيها وقمع الحريات. ومن جهة ثالثة يطغى القانون نفسه ويخرج عن غايته عندما يصر البيروقراطيون على تطبيقه حرفيًا ولو خالف روح القانون.
لذلك فإن وضوح الغاية من القانون ومعرفة أبعادها يسلب الفرصة من الذين يمتلكون النفوذ والقوة في ترجمة القانون حسب منافعهم الذاتية. ومن هنا فإن الإمام الشيرازي يرى ضرورة وجود مبادئ أساسية ثابتة تحكم النظام الاجتماعي العام، وتشكل الغطاء الذي تتحرك في إطاره كافة الأبعاد الحيوية، ومن ضمنها القانون والسياسة والاقتصاد.
أحد هذه المبادئ الأساسية التي ترسم غاية القانون وتؤطر حركته هو الحرية التي وهبها الله سبحانه إلى الإنسان وفطره عليها، لتكون منهجًا معرفيًا وسلوكيًا للوصول إلى الطاعة اليقينية والتكامل الإنساني. ومن يقرأ كتب الإمام الشيرازي يرى أن الحرية تمثل ركنًا أساسيًا في صياغة نظرياته، حيث «إن من أساسيات رؤية الإمام الشيرازي أولوية الحرية الفكرية، ليس من باب الترتيب الإجرائي والحقوقي، وإنما من زاوية الأهمية الذاتية لمصاديق الحرية. هنا يتخذ الإمام الشيرازي رأيًا يكاد أن يبدع فيه، فيرى أن القوانين الاجتماعية هي التي يجب أن تتأطر بالحرية. إن القوانين ليست هي الحاكمة على الحرية، بل الحرية هي الحاكمة على القوانين. فالإمام الشيرازي يرى من اللازم أن تنطلق القوتان التأطيرية التشريعية والتنفيذية من الحرية الإنسانية»(14).
وعلى هذا فإن الحرية هي الغاية الأساسية التي يجب أن ينطلق القانون وفقها، فإذا لم يستطع القانون أن يضمن الحريات للمجتمع، أو يحافظ عليها، أو قام بمصادرتها، فإن ضرورته وجوهريته التي قام عليها تنتفيان.
إن الإشكالية المعقدة التي جعلت القانون الوضعي في موضع الشك في قدرته على تحقيق الغاية هي أنه جعل الحرية في المرتبة الثانية، وقدم المصالح والمنافع الآنية التي تخدم واضعيه: «أما الغاية الحقيقية للقانون فهي تحقيق مصالح معينة، هذه المصالح هي الغاية التي من أجلها أقام القانون هذا النظام الاجتماعي»(15).
فالقانون الوضعي وُضع بالدرجة الأولى لتحقيق مصالح وغايات نفعية تخدم قوى النفوذ التي تصوغ القانون، لذلك فإن الحرية عندهم هي حرية نفعية عرضية، وليست أصلًا مبدئيًا. لذلك نرى أن الدول الغربية التي اعتمدت على الاستعمار في تحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية تطبق الحرية نسبيًا في بلادها، لكنها تقمعها في البلاد المستعمرة. ومع أن «نظام الحرية الشخصية في المجتمع الديمقراطي لا يتضمن الحرية للمواطنين فحسب، بل لجميع السكان، فإن للدولة السلطة لطرد أي أجنبي مقيم على أراضيها، أو أن تعيده إلى وطنه عن طريق التسليم، وليس هناك توضيح للخطر الكامن في جعل الحريات الشخصية الأساسية خاضعة لاعتبارات الصالح العام الغامض»(16).
إن القانون السليم الذي يحقق الغايات من وجوده هو القانون الذي يستطيع، عند تطبيقه، أن يحافظ على الحريات وينظمها بشكل تتوازن فيه حريات الأفراد مع عدم الإضرار بالآخرين أو سلب حرياتهم، وحينئذ، وكما يقول الإمام الشيرازي، لا بد «أن يكون القانون متوسطًا بين إعطاء الحاجة بقدر وسلب الحرية بقدر، فمن الواضح أن كل قانون يسلب بقدره من حرية الإنسان، ولذلك يجب أن يلاحظ في وضع القانون الأهم والمهم، وتقدير كل جانب من الجانبين، سواء بالنسبة إلى حرية الإنسان ملحوظًا فيها الصالح لنفس الإنسان»(17).
وهنا يمكن القول إن الإمام الشيرازي يرى ذلك الرأي الذي يعبر عن الفكر الإسلامي الأصيل، وهو أن وظيفة القانون هي فقط إيجاد التوازن بين الحريات الاجتماعية، فيقول سماحته: «لا حق للقانون التدخل في شؤون الناس إلا بالقدر المقرر في الشريعة الإسلامية، وإلا كان خلاف قاعدة تسلط الناس على أموالهم وأنفسهم»(18).
وفي قراءتنا لكتاب «الفقه القانون» نرى أن سماحته يعتقد في أولوية الحرية وأصالتها: «إن الإنسان يتطلب الحرية في كل شيء، وأقر الإسلام له بذلك باستثناء ما فيه إضرار نفسه وإضرار الآخرين... كذلك يتطلب الحرية في عقيدته وشريعته، ولذا أقر له الإسلام ذلك، فقرر له الانتخابات حيث قال سبحانه: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، وفوض إليه اختيار مرجع التقليد والقاضي وإمام الجماعة. وقد أشار القرآن إلى إمضاء هذه الحرية العقيدية والتشريعية في الإسلام، حيث قال سبحانه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، و﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾، و﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، و﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾»(19).
خصائص القانون الإلهي
إن أهم ما نستخلصه من قراءة «الفقه القانون» هو ميزات القانون الإسلامي وخصائصه الإيجابية التي جعلت من القانون الإسلامي قانونًا متجددًا وصالحًا لكل الأزمان والمجتمعات، وقدرته على حل الكثير من المشكلات. ومن أهم الخصائص التي يذكرها الإمام الشيرازي، والتي تميز القانون الإسلامي عن الوضعي، هي:
1- الدوام زمانًا: لوضوح أن القوانين الوضعية يضعها جماعة، وعلى أحسن الفروض لها ملابساتها الموجبة للتباين، والمقنن النزيه من البشر محدود بالزمان والمكان والشرائط والأهواء والنسيان، وإن كان مخلصًا فرضًا، ولذا لا يكون قانونه إلا وليد تلك الظروف، للزوم المناسبة بين الواضع وما وضع. بينما ترى القوانين الشرعية غير ذلك، وإنما المحتاج إليه هو الاستنباط لتطبيق الكبريات على الصغريات مع متجددات الزمان.
2- الكمال كمًا: والإسلام في شرائعه العامة والخاصة وافٍ بكل حاجات الإنسان، ويدل على ذلك الفقه المدون، حيث لم تكن مسألة من المسائل يومًا من الأيام بلا جواب.
3- الواسع مكانًا: لوضوح أنه قانون الكل بلا فرق بين اختلاف الشعوب والقبائل، أما القوانين الوضعية، حتى الديمقراطية منها، فيختلف قانون بلد عن بلد. وميزة السعة المكانية لأن وحدة القانون توجب التفاهم والتقارب بين فصائل المجتمع الإنساني بعضها مع بعض، حالها حال وحدة اللغة والدين.
4- التسامي كيفًا: لأنه مطابق للفطرة، موجب للعدالة، آخذ بالاعتبار ضعف الإنسان، فلم يعنت معه، وهو مع هذا كله أسمى من مستوى الناس مهما بلغوا في المستوى وتقدموا إلى أبعد حد(20).
5- ومن الخصائص المهمة التي تجعل القانون الإسلامي متميزًا مرونة القانون وقابليته للاجتهاد، حيث يرى سماحته: «كان باب الاجتهاد منفتحًا منذ عهد الرسالة، أما الاجتهاد فهو حق طبيعي لحملة كل دين أو مبدأ يريد استيعاب الحياة، وهذا الدين الذي شمل هذه الرقعة الواسعة، والذي يريد الله له شمول الأرض كلها، لا بد أن يكون لحملته حق الاجتهاد، بمعنى استفادة الجزئيات من الكليات»(21). ولأن باب الاجتهاد مفتوح فإن قانون الإسلام في حال تطور وتجدد باستمرار حسب تغير الظروف والموضوعات، إذ يرى الإمام الشيرازي أن «القانون في حال تطور دائم من ناحيتين: ناحية اختلاف الاستنباطات، وناحية تجدد الفروع والجزئيات»(22).
6- البساطة في القانون: قال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، فالقانون الإسلامي وُضع على اليسر، سواء في الواجبات أم المستحبات، وإنما الشدة أحيانًا تأتي من باب الأهم والمهم، فهي استثناء لا أصل. فإذا ساد قانون الإسلام بمختلف شعبه وفروعه وجد الناس أنهم دخلوا إلى جنة الرفاه والراحة، فإن ترك قانون الإسلام هو مصداق لقوله سبحانه: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾(23).
ومثل ذلك أن الإسلام لا يفرض قانونه إلا على أتباعه؛ فإنه إذا صار الشيء قانونًا فإنه يقسر على ذلك أتباعه فقط دون غيرهم، ولا يقسر غير الأتباع، بل لغيرهم أن يأتي بما في قانونه الخاص، وهذا ما نسميه بقانون الإلزام، فغير المسلم مثلًا لا يقسر على عدم شرب الخمر(24).
ويذكر الإمام الشيرازي الكثير من العناصر التي جعلت القانون الإسلامي يتقدم في قدرته على تحقيق سعادة الإنسان وسموه ورقيه، مثل: المساواة، والتسامح، والتساوي بين الرجل والمرأة، وكثرة الحريات، والعقل والتعقل، والشورى والتشاور، والعفو والتجاوز، وعدم مؤاخذة الغير، فكل إنسان يحمل ذنب نفسه ولا يؤاخذ به غيره، والأخلاق التي هي من مقومات المجتمع الصالح ومن دعائم رقيه وتقدمه، وتركها يوجب شقاء المجتمع ويسبب تأخره وانحطاطه، وكذلك قانون الأخوة، وقانون الأمة الواحدة، وقانون الحرية...(25).
القانون: ضمانات التطبيق والإطاعة
يصبح القانون فعالًا عندما تكون القناعة والإيمان طريقًا إلى تطبيقه. وقد ذكرنا سابقًا أن القانون الوضعي الذي يفصل نفسه عن الأخلاق والدين وقيم القانون الطبيعي الفطرية لا يستطيع إلا أن يعتمد على القوة والتهديد، وهذا ما يجعله لا يمتلك مقومات الاستمرار لتحقيق الاستقرار والأمن؛ لأنه لا يمتلك جذورًا متأصلة في عمق الوعي الإنساني العام. ذلك أن «الناس يطيعون القانون لا لأنهم مرغمون على ذلك بالقوة، بل لأنهم يقبلونه أو على الأقل يذعنون له، وأن هذا القبول، وليس تهديد القوة، هو الذي يجعل النظام القانوني فعالًا»(26).
وهنا يبدع الإمام الشيرازي عندما يحاول أن يثبت فعالية القانون الإسلامي والقبول الكبير الذي شهده من الأجيال التي تعاقبت، حيث يعتقد سماحته: «إن القانون الإسلامي طُبق بالقناعة؛ لأنه فطري، ولا حاجة في تطبيقه إلا إلى فهم الناس له». أما الإشكال على القانون الإسلامي بعدم وجود تطبيق فعلي له، أو أن هناك تطبيقًا سيئًا له، فإن سماحته يجيب ويقول: «إن القانون الإسلامي صالح للتطبيق، لا حسب عقيدتنا فحسب، بل حسب ما قام عليه الدليل والبرهان وأثبتته الحكمة والتجربة، وإنما المشكلة في حملته، حيث لا منهجية صحيحة لهم تصلح لإقناع الناس، ولا يتخلق حملته الداعون إليه، على الأغلب، بأخلاق القائد الصالح». ويضيف سماحته: «من يريد تطبيق الإسلام من جديد عليه أن يوفر في نفسه ومنهجه ما يوجب التفاف الناس حوله»(27).
ومن خلال قراءة «الفقه القانون» نحصل على مجموعة من الحقائق التي تكشف عن الأسلوب الأفضل لتطبيق القانون وإذعان الناس له، إذ يرى سماحته أن الثواب والعقاب يتكاملان في تطبيق القانون؛ فإن القانون إذا لم يكن وراءه رادع لم يمكن تطبيقه، فتضيع المصلحة التي وُضع القانون من أجلها، وإن الردع المترتب على ترك القانون ليس هو المحرك الوحيد إلى الالتزام بالقانون، خصوصًا في السر، بل اللازم تزامن القانون مع العوامل النفسية والاجتماعية والحقوقية، واحتفافه بالترغيب والثواب من جهة، والردع والعقاب من جهة أخرى. ولقد كان السر في نجاح الإسلام هذا النجاح الهائل هو أنه جعل لقوانينه احترام الثواب، وجعل لها احترام الواقعية، حيث أرى الناس فوائد القوانين التي شرعها لهم، كما جعل أيضًا احترام رضا الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾(28).
ومن الشروط الأخرى التي يراها سماحته ضرورية للتطبيق الصحيح للقانون: أن يكون القانون بقدر الضرورة، بل أقصى الضرورة؛ لأن القانون إذا كثر وازداد فقد قيمته واحترامه، والقانون الزائد إذا فقد احترامه أوجب فقد احترام القوانين اللازمة أيضًا. وكذلك ألا يكون القانون مخالفًا للعرف فيما إذا كان هناك مجال لصياغة القانون الموافق للعرف(29).
ويعتقد الإمام الشيرازي أن وجود القانون الإسلامي كنصوص وكليات وجزئيات لا يكفي وحده لإيجاد الأمن والعدالة، بل لا بد من «تهيئة الأرضية الصالحة لبقاء القانون الإسلامي وتجذيره حتى يكون جزءًا من الحياة اليومية، لكن من الواضح أن ذلك بشرائطه، فإن القانون الإسلامي ليس كشجرة في الفراغ تنمو بنفسها بدون أرضية صالحة. ومن الأرضية الصالحة الاهتمام بحوائج الناس ومشاطرتهم الحياة، فالفقر والجهل والعزوبة والبطالة أرضية مستعدة لنمو المناهج اللاأخلاقية وارتكاب الأعمال التخريبية»(30).
عصرنة الفقه
يمتلك الفقه الإسلامي مخزونًا هائلًا من الأدلة الشرعية القادرة على تدعيم القانون بالكثير من الأحكام والتشريعات المستجدة، وهذا المخزون التراثي والتاريخي والروائي يمثل استثناءً فريدًا وامتيازًا خاصًا لا تمتلكه الشرائع والدساتير الأخرى. ومن هنا فإنه يمكن استخراج أي قانون يحتاجه الإنسان في كل أموره الحيوية الصغيرة والكبيرة، الشخصية والاجتماعية. ولكن، وكما يعتقد البعض، فإن هذا الغنى الفقهي الكبير لم يستطع أن يواجه مشكلات العصر ويتوافق معها، والسبب في ذلك، بحسب كلام هذا البعض، هو عدم وجود تدوين قانوني واضح للفقه الإسلامي يمكن من خلاله الوصول إلى القانون المراد بشكل سريع ومفهوم ويسير. وهنا يُطرح هذا التساؤل: هل فعلًا يحتاج الفقه الإسلامي إلى تدوين قانوني، وما الآثار الإيجابية والسلبية لذلك؟
أما المؤيدون لتدوين الفقه الإسلامي فإنهم يعتقدون أن الصياغة القانونية للفقه الإسلامي لا تتناسب مع العصر الحالي، وأن «تقنين أحكام الشريعة الإسلامية هو الوسيلة الحديثة الآن لتطبيقها، وتقنينها يعني جعلها قانونًا، وهذا يتطلب صياغتها في صورة قواعد عامة مجردة تنظم سلوك الأشخاص في المجتمع وإلزام الناس بالعمل بها ككل قانون»(31).
ويعدد أصحاب هذا الاتجاه مزايا لهذا التقنين، منها:
أ ـ إن التقنين هو خلاصة ما يمكن العمل به من الأدلة والأحكام بشكل مناسب.
ب ـ التقنين تحديد لأبعاد الحكم الشرعي وبيان لمسايرة الشريعة الإسلامية لمصالح العباد وصلاحيتها لكل زمان ومكان، ويستطيع الفقهاء المحدثون تحديد أحكامه بالنسبة للصور المستحدثة، وهكذا نجد التقنين استكمالًا للبناء الفقهي الإسلامي.
ج ـ هذا التقنين يتيسر على الفقهاء شرحه ومقارنة أحكامه بغيرها من المذاهب المختلفة، فضلًا عن اشتغال آلاف القضاة والمحامين والطلبة بدراسته، وفي هذا تيسير لدراسة وتدريس الشريعة الإسلامية.
د ـ هذا التقنين يسهل على المحاكم تطبيق الشريعة الإسلامية، ويقطع دابر احتمال التضارب في الأحكام، ويعاون القاضي والفقيه وكل مشتغل بالقانون على الاهتداء إلى القاعدة القانونية في يسر وسهولة.
هـ ـ هذا التقنين يسهل على الأفراد التعرف على أحكام الشريعة الإسلامية، فلا يتيهون بين الآراء الكثيرة الموجودة في كتب الفقه الإسلامي، والتي لا يعرف راجحها من مرجوحها إلا المتخصص فيها.
و ـ عدم تقنين أحكام الشريعة سيدفع حكام المسلمين إلى اقتباس القوانين الأجنبية لتنظيم شؤون الدولة.
ز ـ يؤدي التقنين إلى حسن سير الجماعة نتيجة إلمام الأفراد بقواعد القانون وتطبيقها على علاقاتهم الاجتماعية المختلفة(32).
وقد تكون هناك إيجابيات تستحق الدراسة لعملية تقنين الفقه الإسلامي، ولكن تظهر هناك بعض السلبيات التي تضع شكوكًا في طريق التدوين. أول هذه الشكوك أن التدوين يغلق باب الاجتهاد عندما يحصر القانون بقاعدة واحدة مدونة لا يمكن مناقشتها، وقد قام الفقه الإسلامي وتكون وتجدد على ضرورة الاجتهاد. وكذلك فإن في الفقه الإسلامي قواعد متغيرة تتطابق مع وقائع تختلف حسب الظروف الزمانية والمكانية والاجتماعية والنفسية، وقد لا يمكن للقاعدة القانونية أن تتأقلم مع تغير الظروف أحيانًا، وهذا يعني جمودها وعدم مرونتها في قبول المستجدات، وقد يعني كذلك حرفية النص المدون والالتزام بما هو مدون فقط، بينما المهم هو روح القانون لا نصه.
أما ما هو رأي الإمام الشيرازي في عملية تقنين الشريعة، وهل يرى صحة ذلك، وماذا نستكشف من خلال قراءتنا لـ«الفقه القانون»؟
يرى سماحته أن تقنين الشريعة على الأحكام الكلية والنصوص الثابتة لا فائدة منه، وذلك لعدم وجود الحاجة، وأن طبيعة القانون الإسلامي وآليته تجعله في غنى عن التقنين والتدوين، وحينئذ «لا قانون أساسي في الإسلام غير نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة التي لا تقبل التغيير والتبديل، مثل: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، و﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، و﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، و﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، و«الناس مسلطون على أموالهم»، و«الناس كأسنان المشط سواء». وهذه النصوص مستغنية عن التدوين لعدم الحاجة إلى تدوينها وجعلها قانونًا أساسيًا؛ لأنها موجودة في الكتاب والسنة، فجعلها قانونًا أساسيًا عبارة عن وضعها في مكان واحد. وأنها أيضًا بين عام ومطلق وما أشبه، ولها تخصيصات وتقييدات واستثناءات بالأحكام الثانوية كالاضطرار، ولا ضرر، وقاعدة الأهم والمهم، وما أشبه، مما يجعلنا في غنى عن التدوين والتقنين».
ويكشف سماحته عن السلبيات التي ترافق عملية التقنين قائلًا: «إذا لم يكن نصًا وكان من الاستنباط، فأي حق للدولة في فرض استنباط فقيه أو فقهاء على طول الخط؟ فإذا مات أولئك الفقهاء جاء فقهاء آخرون، فما هو الدليل العقلي أو الشرعي في لزوم اتباع الدولة أو الناس المقلدين لفقهاء آخرين؟ نعم، من يريد أن يشايع الغرب يبتلي بالخطأ العقلي من جهة وضع القانون، كما يبتلي بالخطأ الشرعي من جهة عدم الحاجة إذا كانت نصًا، أو الجمود إذا كانت استنباطًا»(33).
إذن الإمام الشيرازي لا يرى صلاحية تقنين القانون الإسلامي؛ لأن ذلك يعني تقييده عن المرونة والاجتهاد والتطور، لذلك «فليس من الحق وضع القانون الأساسي الذي معناه تجميد الاستنباط وحصره على جماعة خاصة من الفقهاء، إلا إذا كان من نصوص الشريعة غير القابلة لمختلف الاستنباطات المستقبلية»(34).
ولكن الإمام الشيرازي لا يرفض عملية التقنين رفضًا مطلقًا، وإنما يرفضها على مستوى التقنين التشريعي الذي يندرج ضمن إطار القانون الأساسي. أما التقنين الذي يكون في إطار عملية الاجتهاد وتطبيق الكليات على الجزئيات فإنه يراه مناسبًا ومفيدًا، ولكن بشروط، منها أن يكون التقنين من قبل شورى الفقهاء المنتخبة من الأمة، أو المجالس الاستشارية والحكومية المنتخبة انتخابًا حرًا، وألا يكون للتقنين صفة الدوام والثبات، بل يحق لمجلس الفقهاء الحالي الاجتهاد فيه وتغييره، وأن يحق لأي مجلس لشورى الفقهاء ينتخب في المستقبل بعد هذا المجلس تغيير هذه التقنينات حسب اجتهاداتهم.
لذلك يقول سماحته: «لا قوانين تشريعية من صنع البشر عند المسلمين، وإنما يصح عندهم القوانين التطبيقية، أي تطبيق كليات الشريعة الإسلامية على الموضوعات، كتطبيق كلي لا ضرر على الشيء الفلاني، أو تطبيق ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ على عقد التأمين».
ويطلق سماحته على القوانين التطبيقية لفظ «القوانين التأطيرية» في قبال القوانين الوضعية التشريعية، حتى تنتفي شبهة جواز الوضع التشريعي؛ لأن الوضع في القانون الإسلامي لا يجوز إلا في القوانين التأطيرية التي تؤطر الجزئيات والفروع في إطار الأحكام الكلية الثابتة وغير القابلة للتغيير أو التشريع، وذلك «لأن القانون على قسمين: القوانين الكلية التي جعلها الشارع، وهي لا تتغير ولا تتبدل إلا بتغير الموضوع، أو التغير من القوانين الأولية إلى الثانوية أو بالعكس، والثاني القوانين التأطيرية التي يحددها شورى المرجعية بسبب اختلاف الأزمنة والأمكنة، مما يستفاد من الكليات الشرعية، أو مجلس الوزراء، أو مجلس الأمة، أو مجلس الأعيان، أو أية جهة أخرى لها الصلاحية حسب التطبيقات الزمنية»(35).
لذلك يضيف سماحته قائلًا: «إذا وضع شورى الفقهاء قانونًا يمنع الاستيراد للبضاعة الفلانية من خارج بلاد الإسلام، وذلك تطبيقًا لقانون لا ضرر، ثم شُك في حدود البضاعة التي منع استيرادها، وقد تبدل فقهاء الشورى، فإن الأمر يرجع إلى فقهاء الشورى الجدد، وإلى أنهم هل يرون تطبيق لا ضرر في كل أقسام تلك البضاعة أو بعض أقسامها»(36).
ولكن الإمام الشيرازي لا يكتفي بهذه الشروط في عملية التقنين التأطيري للموضوعات والجزئيات التي اجتهد فيها فقهاء الشورى، وإنما يضع شروطًا أخرى تندرج في إطار الآية القرآنية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، حيث يقول سماحته:
الأول: أن تكون القوانين قليلة مهما أمكن، فإن طبيعة البشر لا تتحمل القوانين الكثيرة، فيكون تكثير القوانين مدعاة لنقضها وعدم الاعتناء بها.
الثاني: أن تكون القوانين خالية من القيود والشروط والاستثناءات مهما أمكن.
الثالث: ألا تكون معقدة، بحيث يكون فهمها في متناول عامة الناس؛ لأن المراد فهمهم وعملهم، ولذا قال سبحانه: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، وقال (ص): «إنا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم».
الرابع: أن يكون موجز الأسلوب، ويسمى في الشريعة بفصل الخطاب.
الخامس: أن يكون وضع القانون حسب الواقع المعاش، لا حسب الفرض الممكن.
السادس: أن يوضع القانون لمطلق الناس، لا لنسبة خاصة من الناس بهذا الشكل المتعارف في الدول.
السابع: أن يكون القانون واضح المعالم والحدود من حيث الأول والآخر والسعة والضيق.
الثامن: أن يتجنب في القانون ذكر العلل؛ لأنه يوجب التشويش والشك في أنه هل المعيار العلة أو القانون.
التاسع: تبديل ما يمكن من القوانين العسيرة إلى القوانين اليسيرة، فإذا كان بالإمكان وضع القانون على كل من الصورتين لزم وضعه على الصورة اليسيرة.
العاشر: عدم الإقدام على وضع القانون إلا بعد النضج الكامل في ذهن المقنن، وذلك بتقليب وجوه الآراء واستعراض التجارب والاستشارة التامة(37).
وأخيرًا، فإن قراءة كتاب «الفقه القانون» لا يمكن أن تتم بإسهاب وتفصيل لكثرة القضايا المستجدة والدقيقة المذكورة فيه؛ لهذا لم تكن قراءتنا إلا قراءة موجزة لبعض الكتاب، لا كله. فهناك الكثير من القضايا المهمة التي تطرق إليها الإمام الشيرازي، كقانون العقوبات في الإسلام، والقانون الدولي، والقضاء، وقانون لا ضرر، والحقوق والمنازعات، إضافة إلى قضايا أخرى أغنت الفكر الإسلامي والقانوني برؤى واجتهادات عديدة تعبر عن تلك الروح التجديدية التي اصطبغت ملامحها في معظم كتب الإمام الشيرازي.
ولا شك أن هذا الكتاب يعتبر ثروة كبيرة في المكتبة الإسلامية، تغني الكثير من الباحثين الإسلاميين وتعينهم على معرفة التطبيقات الحديثة للفقه الإسلامي. ويستفيد منه الأكاديميون للاطلاع على قدرة الشريعة الإسلامية في بناء القانون عبر تلك الصياغة الحضارية والمتطورة التي صاغها سماحته في كتابه. ولكن تبقى مشكلة الاصطلاحات الفلسفية والعلمية الموجودة في الكتاب، والتي قد تكون عقبة أمام بعض الأكاديميين، لذا كان من الضروري التهميش لشرح بعض المصطلحات الخاصة وتوضيحها لتسهيل عملية فهم مضامينه بشكل أفضل وأتم.