«من أراد دنيا وآخرة فليؤم هذا البيت» رسول الله (صلى الله عليه وآله).

 يمثل الحج أكبر عملية تجمع إنساني عالمي على الإطلاق، وأوحدها عظمة ونجاحًا على طول التاريخ، إذ يجتمع المسلمون تلبية لنداء واحد، ويطوفون حول محور واحد، وهو تلك الكعبة المقدسة التي أخذت منزلًا في قلب كل مسلم أسلم لصاحبها بالولاء والخضوع والخشوع المطلق. وذلك التجمع ليس تلك العبادة التقليدية فقط التي يجب أن يؤديها كل مسلم، بل هو ذلك المؤتمر الكبير الذي يجتمع فيه المسلمون لمناقشة أمورهم ومشكلاتهم وأفكارهم، من أجل إيجاد ذلك التلاحم الوثيق الذي أمرت به الآية القرآنية: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾.

ومن هنا، فإن كون الحج عبادة هو وسيلة لإيجاد ذلك التجمع أيضًا، عن طريق تلك العبادة التي يتمحض فيها الإخلاص التام لله، ونزع كل الأغلال الفردية والأنانية والشهوانية، وصبها في ذلك التجمع الإيماني، حيث يذوب الإنسان بكل خصائصه وتشكلاته وطبقاته في بوتقة المجتمع الإسلامي الكبير، موحدًا فيه غاياته وأفكاره وتطلعاته بالعبودية المطلقة والإخلاص النقي لله سبحانه وتعالى. وهذا يستتبع نكرانًا تامًا للذات، يندمج فيه الإنسان مع إخوته لإنقاذ العالم الإسلامي من أزماته وهمومه في ذلك المؤتمر الكبير.

فالعبادة بحد ذاتها لا يحتاجها الله، فهو سبحانه غني عن عبادة المخلوقات، ولكنه تعالى شرعها من أجل فائدة الإنسان نفسه، لتحقيق غايات ذاتية واجتماعية. ففي الرواية المروية عن الإمام العسكري (عليه السلام) أنه قال: «إن الله عز وجل بمنه ورحمته لما فرض عليكم الفرائض لم يفرض ذلك لحاجة منه، بل رحمة منه إليكم...».

وهذا الأمر يتأكد في فريضة الحج، إذ إن الآيات القرآنية والروايات الشريفة تؤكد على الغايات الاجتماعية المختلفة التي تعبر عن الحكمة من تشريع الحج. يقول تعالى: ﴿ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾ الحج: 28. واللام هنا في كلمة «ليشهدوا»، كما ذكر صاحب تفسير الميزان، هي لام الغاية أو التعليل، أي إن علة تشريع الحج أو الغاية من تشريعه هي ليحصل الناس على منافع وفوائد، ولا شك فإن من أفضل المنافع تلك المنافع الاجتماعية والدينية التي يحققها اجتماع المسلمين فيما بينهم ومناقشة أوضاعهم وهمومهم.

يقول الإمام الرضا (عليه السلام): «علة الحج الوفادة إلى الله وطلب الزيادة والخروج من كل ما اقترف... ومنفعة من في المشرق والمغرب، ومن في البر والبحر، وممن يحج وممن لا يحج... وقضاء حوائج أهل الأطراف والمواضع الممكن لهم الاجتماع فيها، كذلك ليشهدوا منافع لهم...» البحار: ج99، ص32.

وروي عن هشام بن الحكم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، فقلت له: ما العلة التي من أجلها كلف الله العباد الحج والطواف بالبيت؟ فقال: «إن الله خلق الخلق وأمرهم بما يكون من أمر الطاعة في الدين ومصلحتهم من أمر دنياهم، فجعل الاجتماع فيه من الشرق والغرب ليتعارفوا، ولتعرف آثار رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتعرف أخباره ويذكر ولا ينسى، ولو كان كل قوم إنما يتكلون على بلادهم وما فيها هلكوا وخربت البلاد، وسقطت الجلب والأرباح، وعميت الأخبار، ولم تقفوا على ذلك، فذلك علة الحج». الوسائل: ج11، ص14.

فغاية الحج، حسب هذه الرواية، تحقيق تجمع المسلمين من الشرق والغرب من أجل:

أولًا: ليتعارفوا

أي إن الحج هو الطريق للتعارف والانسجام وتذويب كافة الفوارق اللغوية والقومية والطبقية والجغرافية التي تشكل عائقًا في سبيل وحدة المسلمين ووحدة الدين؛ لأنه يؤدي إلى تحقيق التواصل الفكري والتنظيمي بين المسلمين، ورفع الرواسب التي قد تحصل نتيجة لبعد المسافات الزمانية والمكانية، والتلاقح الفكري.

ثانيًا: ومصلحتهم من أمر دنياهم

فمصلحة المسلمين وتقدمهم وسعادتهم الدنيوية متوقفة على هذه العبادة التي تصبهم في الاتجاه الصحيح والرؤية السليمة، إذ إن البعض يعتقد اعتقادًا خاطئًا أن الدين لا يحقق السعادة الدنيوية، والعكس هو الصحيح؛ لأن ترك الدين يقود نحو الشقاء والتخلف، لأن الدين كتشريع ينبثق من القانون التكويني الذي جعله الله تعالى، والحج هو الطريق لتجمع المسلمين لتوحيد الكلمة وتحقيق الشريعة التي يقود تحقيقها نحو رقي الأمة وسعادتها.

يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من أراد دنيا وآخرة فليؤم هذا البيت» (من لا يحضره الفقيه: ص141).

ثالثًا: لتعرف آثار رسول الله

والحج هو الطريق الأمثل لمعرفة الأهداف التي قامت عليها حركة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبشر بها كقيم سامية، مثل الحرية والأخوة والأمة الواحدة والشورى والسلام، ومن ثم الالتزام بها كمنهج ثابت في حركة الأمة الإسلامية.

وعن الإمام الباقر (عليه السلام): «إنما أمر الناس بأن يأتوا هذه الأحجار ويعرضوا، فيطوفوا بها، ثم يأتونا فيخبرونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصرهم» (البحار: ج99، ص374). ولا شك فإن طاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) ونصرهم تتم عبر الالتزام بأهدافهم وآثارهم، وهذا هو أحد أهداف الحج، أي التعرف على أهداف حركة ومنهج الرسالة النبوية.

رابعًا: إنما يتكلون على بلادهم

فالحج يحقق التكامل بين مختلف قطاعات المسلمين على اختلاف ألوانهم واتجاهاتهم، إذ تختلف الاحتياجات لكل فئة وجماعة، ولكن الحج، عندما يتحقق فيه المضمون الواقعي، يتحول إلى عملية تكامل سياسي وفكري واجتماعي واندماج حضاري، تتوحد فيه أطراف المسلمين إلى كل واحد غير متجزئ عبر عملية التكامل الوظيفية.

خامسًا: وسقطت الجلب والأرباح

فبالاكتفاء الذاتي يتحقق عز المسلمين واستقلالهم، وبحرية التجارة تنمو البلاد الإسلامية المختلفة، فالحج يحقق التواصل الاقتصادي والتعاون التجاري بين البلاد الإسلامية، وبذلك تتخلص البلاد من التبعية الاستعمارية.

سادسًا: وعميت الأخبار

فمن منافع التجمع في الحج التواصل السياسي الذي يوفر المعلومات الواقعية عن كل بلد من البلاد الإسلامية للبلاد الأخرى، لمعرفة ما يجري فيها، ومن ثم تحقيق التعاون لرفع مشكلاته. ومن ثم فإن الحج هو الطريق لنشر الوعي بين الناس والمعرفة والبصيرة بحقائق الأمور التي لا يمكن للمسلم أن يحصل عليها في بلاده، خصوصًا مع التشويش الإعلامي الذي يستخدمه إعلام السلطات لحجب المعلومات الواقعية.

وقد سئل الإمام الرضا (عليه السلام) عن سبب الأمر بالحج، فأجاب (عليه السلام): «العلة الوفادة وطلب الزيادة... مع ما فيه من التفقه ونقل أخبار الأئمة (عليهم السلام) إلى كل صقع وناحية، كما قال عز وجل: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين...﴾ و﴿وليشهدوا منافع لهم...﴾» نور الثقلين: ج2، ص283.

وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلًا﴾، قال: نزلت فيمن يسوف الحج حتى مات، فعمي عن فريضة من فرائض الله. البحار: ج99، ص5.

ذلك أن طبيعة الحج تقتضي أن تزيل موارد الجهل وعدم المعرفة، والإنسان الذي يترك الحج يبقى جاهلًا أعمى عن الكثير من أمور الدين والأمور التي تجري في بلاد المسلمين. وقد قال الرسول (صلى الله عليه وآله): «أول العبادة المعرفة». البحار: ج77، ص61.

والذي يؤكد الغايات من فريضة الحج، والتي منها عقد المؤتمرات، أن هناك الكثير من الروايات التي تؤكد على الحج المندوب وكراهة تركه أو وجوبه وجوبًا كفائيًا، بالإضافة إلى الحج الواجب العيني الذي يجب على كل مسلم مستطيع بعينه. وهذا الأمر يدل على أن الحج مطلوب لا لكونه أمرًا عباديًا فقط، بل لأنه الوسيلة الفعالة لتجمع المسلمين وعقد المؤتمرات والندوات للعمل من أجل تحقيق الأهداف الإسلامية السامية.

يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): «يا علي، تارك الحج وهو مستطيع كافر... يا علي، من سوف الحج حتى يموت بعثه الله يوم القيامة يهوديًا أو نصرانيًا» البحار: ج77، ص58.

ويقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «فرض الله تعالى الحج تقوية للدين» البحار: ج6، ص110.

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «هو ـ الحج ـ أحد الجهادين، وهو جهاد الضعفاء، ونحن الضعفاء» الوسائل: ج11، ص107.

وهذا يدل على أن الحج هو نوع من أنواع الجهاد الذي يمثل الجهد العملي الذي يؤديه المسلم من أجل الحفاظ على كيان الدين، والحج هو المؤتمر الذي يصب المسلمون فيه جهودهم وجهادهم لغايات إسلامية موحدة تحفظ للدين كيانه ووحدته وعزه.

ويقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «لا يزال الدين قائمًا ما قامت الكعبة» الوسائل: ج11، ص21.

لأن الكعبة المقدسة هي المحور الذي يستقطب المسلمين جميعًا على كافة اتجاهاتهم واختلافاتهم، فما دامت الكعبة قائمة يكون الدين قائمًا.

ويقول (عليه السلام) أيضًا: «أما الناس لو تركوا حج هذا البيت لنزل بهم العذاب وما نوظروا» الوسائل: ج11، ص22. أي إن الله لا يمهلهم لو تركوا حج هذا البيت، وهذا يعبر عن السنن الإلهية التي جعلها الله تعالى كقانون تكويني ثابت، فإذا تحقق السبب تحقق المسبب أيضًا. والحج هو المؤتمر الكبير الذي يجمع المسلمين لدعم أركان الدين وأسسه وسعادة المسلمين وتقدمهم وحريتهم، فلو تخلف المسلمون عن الحج أو تحول الحج إلى مجرد عبادة تقليدية خالية من المضامين الدينية والمنافع الاجتماعية التي ذكرتها الآية القرآنية، تخلف المسبب، ونزل الشقاء والتفرق والتشتت والاستعباد والاستبداد بساحتهم، كما هو حاصل اليوم.

ويقول الإمام الصادق (عليه السلام): «درهم تنفقه في الحج أفضل من عشرين ألف درهم تنفقها في حق»، إذ إن التحاق الإنسان المسلم بإخوته في مؤتمر الحج هو إنقاذ للأمة وحماية لوحدة الدين، وبالتالي فإنه إنقاذ لمليار ونصف المليار مسلم من الضياع والشقاء، بينما إعطاء المال لأحد المسلمين وعدم الذهاب للحج هو إنقاذ لفرد واحد وحق واحد.

ومن الروايات التي تؤكد على الحج، ويفهم منها أن هناك غايات حضارية كبيرة لا تختص بالعبادة وحدها، الروايات الواردة في فضيلة الحج والإدمان عليه، حيث يعبر مضمونها عن هذا المعنى الكبير من ضرورة اجتماع المسلمين في الحج. ومنها ما يؤكد الترغيب الكبير بالثواب العظيم في التكرار الدائم للحج، فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «من حج خمس حجج لم يعذبه الله أبدًا... من حج عشر حجج لم يحاسبه الله أبدًا... من حج عشرين حجة لم ير جهنم ولم يسمع شهيقها ولا زفيرها».

ويقول الإمام الكاظم (عليه السلام): «من حج أربعين حجة قيل له: اشفع فيمن أحببت، ويفتح له باب من أبواب الجنة يدخل منها هو ومن يشفع له» الوسائل: ج11، ص130.

ومنها الروايات التي تؤكد على الذهاب إلى الحج بأي صورة كان، فعن عيسى بن أبي منصور قال: قال لي جعفر بن محمد (عليه السلام): «يا عيسى، إن استطعت أن تأكل الخبز والملح وتحج في كل سنة فافعل».

وعن معاوية بن وهب، عن غير واحد، قال: قلت لأبي عبد الله: إني رجل ذو دين، فأتدين وأحج؟ فقال: «نعم، هو أقضى للدين».

ويقول الإمام الباقر (عليه السلام): «ما من عبد يؤثر على الحج المندوب حاجة من حوائج الدنيا إلا نظر إلى المحلقين قد انصرفوا قبل أن تقضى له تلك الحاجة» الوسائل: ج11.

ومن الروايات ما يؤكد أن ترك الحج يؤدي إلى الهلاك، أي الهلاك الذي ينتج عن تخلف السبب عن المسبب، فيقول الإمام الصادق (عليه السلام): «إن الله يدفع بمن يحج من شيعتنا عمن لا يحج منهم، ولو أجمعوا على ترك الحج لهلكوا» المستدرك: ج8، ص15.

فالحج هو الضامن لاستمرار التنسيق العملي والحضاري، ولو تركه المسلمون أو أهملوا معانيه ومضامينه الواقعية لأصبحوا تحت سلطة الأعداء أذلاء تابعين ومستعبدين. يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «عليكم بحج البيت، أدمنوه، فإن في إدمانكم الحج دفع مكاره الدنيا وأهوال يوم القيامة» البحار: ج74، ص167.

وكل هذه الروايات تقودنا نحو حقيقة أساسية، وهي أن للتجمع المتحقق في الحج موضوعية يراد منها أن تتحقق، فإن الحج هو العبادة الاجتماعية الوحيدة من بين كل العبادات التي لا تنعقد إلا بتجمع المسلمين الواحد في الزمان والمكان الواحدين. ويقول الإمام الرضا (عليه السلام): «ليس العبادة في كثرة الصيام والصلاة، وإنما العبادة كثرة التفكر في أمر الله» البحار: ج78، ص335.

وهنا يأتي هذا التساؤل: هل يمكن تشكيل مؤتمرات على هامش الحج يناقش فيها المسلمون أوضاعهم ومشكلاتهم، مع كل الصعوبات التي يمكن أن تتواجد في الحج باعتباره تجمعًا كبيرًا يتفرغ فيه الحجاج للعبادة والدعاء؟ وبعبارة أخرى، هل الظروف الزمانية والمكانية والنفسية والموضوعية متوفرة لإنجاح هكذا مؤتمرات؟

لكن الحقيقة التي أثبتتها التجربة والبرهان أن كل الظروف مواتية لعقد المؤتمرات في الحج، بل إن الحج هو المكان المثالي لتحقيق أنجح المؤتمرات، وذلك لأنه:

1- توفر الشروط الزمانية: إذ تفشل العديد من المؤتمرات لعدم الاتفاق على زمان عقدها، ولكن الحج هو إعلان رسمي من الله عز وجل لتجمع المسلمين من أجل أداء تلك الشعائر العبادية والحضارية: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾، ﴿الحج أشهر معلومات﴾، ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾.

2- الشروط المكانية: تفشل بعض المؤتمرات الأخرى لعدم الاتفاق على مكان عقدها، ولكن الكعبة هي ذلك المكان الذي يشكل قبلة المسلمين المترسخة قدسيتها في القلوب، فيحن إليها كل مسلم ويشتاق لرؤيتها عندما يحل زمان الحج الذي أعلنه سبحانه.

3- وحدة الأهداف: إذ لا يمكن عقد مؤتمر وإنجاحه إلا بعد اتفاق المؤتمرين على أهداف واحدة يرتكز عليها المؤتمر للخروج بنتائج طيبة. وفي الحج يسلم المسلمون أنفسهم للرب تعالى، ويذوبون في روح الإسلام وتعاليمه، فيتوحد المسلمون في أهداف واحدة تنبعث من آيات القرآن الكريم. وهذا أمر يسهل على المؤتمرين التفاهم والاتفاق.

4- الشروط النفسية: فمعظم الناس في حياتهم العادية لا يقدمون على عمل إلا بعد معرفة المنافع الشخصية أو الفئوية التي يمكن أن يحققها لهم هذا العمل، وهذا الأمر ينطبق على المؤتمرات أيضًا، إذ يمكن أن يفشل أي مؤتمر في الظروف العادية نتيجة للمصلحية والأنانية الفردية التي يتسم بها بعض المشاركين. ولكن الأمر يختلف في أيام الحج، إذ ينسلخ الإنسان من لباسه ويلبس لباس الإحرام، لينزع بذلك تلك النفس الأنانية التي لا تفكر إلا بلذاتها ومنافعها الخاصة، ويذوب في ذلك التجمع الكبير، فلا يرى نفسه إلا مرآة للآخرين. وهنا تتحقق أفضل الظروف النفسية التي يستجيب من خلالها المسلم لنداء الرب، وخضوعه وإخلاصه للأهداف الإسلامية.

وقد روي عن الإمام الصادق أنه قال: «ما من بقعة أحب إلى الله تعالى من المسعى؛ لأنه يذل فيه كل جبار» البحار: ج99، ص45.

وكذلك فإن الحج لا يقبل من الحاج إلا إذا تحقق الإخلاص التام لله تعالى، فلو كان مجرد عمل تقليدي روتيني يؤتى من أجل أن يعتبر حاجًا أمام الناس لم يقبل منه. لذلك فقد افتقد الحج اليوم غاياته الأساسية؛ لأنه تحول إلى مجرد عمل تقليدي يؤديه الناس من باب الواجب فقط. وعن هذا قال الإمام الصادق (عليه السلام): «... ما أكثر الضجيج وأقل الحجيج...» البحار: ج27، ص181.

ويقول (عليه السلام) أيضًا: «الحج حجان: حج لله، وحج للناس، فمن حج لله كان ثوابه على الله، ومن حج للناس كان ثوابه على الناس يوم القيامة» البحار: ج99، ص24.

5- الحوار: تفشل الكثير من المؤتمرات لعدم تحقق الحوار الموضوعي الهادف فيها، إذ تسيطر عليها حالات الجدل والنقاشات الهامشية والمراء، فتقود المؤتمر إلى خلافات جزئية تقضي عليه. ولكن عندما يقدم الحاج إلى أعمال الحج ويحرم عليه الجدال والفسوق وكل كلام يعبر عن المراء والكلام غير المفيد، ففي الآية القرآنية: ﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب﴾ البقرة: 197.

وإذا تأملنا قليلًا مفاهيم الحج، لوجدنا أن كل خطوة من خطوات الحاج هي تطبيق لأحد أهداف الإسلام الكبيرة، والمؤتمر هو تجسيد عملي وتخطيط أساسي لهذه الأهداف على مستوى تحقيقها في غير ظروف الحج زمانًا ومكانًا.

فمن هذه الأهداف:

1- الحرية: حيث يكون الحج تطبيقًا عمليًا للحرية عندما يتغلب فيه المسلم على طغيان الأهواء والشهوات، ويقضي على روح الاستبداد في ذاته، ويقضي على استبداد وطغيان الآخرين عندما يفيض من بلاده إلى أرض الله تعالى، التي تكون فيها العبودية والطاعة والتلبية له وحده لا شريك له. فالحج هو تحرر من عبودية الذات وقيود الغير الاستبدادية.

2- الأخوة الإسلامية: فلا يوجد في الحج تمايز بين الفقير والغني، ولا الأبيض والأسود، ولا العربي والأعجمي، بل الكل يتحد ويتلاحم في طريق واحد، ملبين لرب واحد وهدف واحد.

3- الأمة الواحدة: فإذا كانت الحدود الجغرافية قد فرقت بين المسلمين، فإن الحج يزيل كل هذه الحواجز المصطنعة ويصهر الناس كلهم في أمة واحدة لا تعرف التمايز القومي والإقليمي.

إن الحج هو بالفعل تلك القدرة الهائلة التي يختزنها الإسلام لتعبئة أبنائه في أهدافه وبرامجه، وبالفعل هو تلك النعمة الكبيرة التي أنعم الله بها على المسلمين ليكونوا دائمًا في رحاب الإسلام وهديه ولا ينفصلوا عنه، ويعطيهم القدرة الدائمة على الاندماج الحضاري والسياسي في أهدافه ومناهجه.

*مقال منشور في مجلة النبأ، العددان (30-31)، السنة الخامسة، ذو القعدة-ذو الحجة 1419هـ.

عن الكاتب

صورة الكاتب
مرتضى معاش

عرض السيرة