
يتناول المقال إشكالات الإدارة الفردية المستبدة داخل المؤسسات، وآثارها في ضعف الاستقرار والأداء واستنزاف الطاقات وتعطيل المشاركة. ويحلل أبعادها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والشرعية، مؤكدًا أهمية الشورى في حماية الحقوق وتحقيق الرضا والتوازن المؤسسي. كما يبين أن تراكم القرارات الفردية يقود إلى الانقسام والضعف والخراب، وينعكس سلبًا على المجتمع...
تشكل المؤسسات العمود الفقري لأي بنية اجتماعية تحتية، وهي بذلك تعطي للمجتمع تنظيمه الطبيعي وانعكاسه الخارجي؛ لأن أي تحقق اجتماعي لا يمكن أن يترجم إلى بُعد واقعي وخارجي ما دامت لم توجد مؤسسات اجتماعية مختلفة، وهذا نجده حتى في أكثر الجماعات بدائية. وكلما تطورت المؤسسات البشرية ونضجت وتنامت، تنامى المجتمع وأصبح أكثر تكاملًا وحضارة، لذلك تقاس الأمم في مستواها الحضاري المتقدم بقياس مستوى نمو المؤسسات ونضجها وقدرتها الإدارية على تحقيق إثباتها الاجتماعي المتميز.
فالمؤسسة هي تعبير سلوكي عن ذلك الإجماع الأخلاقي والمصلحة المشتركة. وتنبعث هذه الإشكالية المهمة التي نحن بصدد البحث فيها من كون المؤسسات التي تشكل العمود الفقري لمجتمعاتنا لها الدور الأكبر في التخلف الحضاري الذي نعيشه، وذلك لعدة أسباب:
أولًا: أنها لا تزال بدائية في مستواها التنظيمي والإداري، بمعنى أنها لا تزال تعتمد على الأساليب القديمة في التنظيم والإدارة، والتي تستوحيها من الارتجالية الفردية وعدم التخطيط والاندفاع الذاتي.
ثانيًا: أنها تشكل جزءًا هامشيًا في التأثير على صياغة البنية الاجتماعية، وإذا كان لها تأثير فليس باعتبار المؤسسة كمجهود اجتماعي، بل باعتبار المجهود الفردي الذي يؤديه الفرد القائد، ولذلك نرى تغير المؤسسة وانقلابها أو انحلالها بتغير نفسية أو فكر الفرد الذي تصاغ المؤسسة على هيئته الذاتية.
ثالثًا: أنها مؤسسات غير مستقرة وسريعة الزوال، لذلك لا تستطيع أن تستمر في أدائها، على أن المؤسسة من الناحية النظرية، بكونها البنية التحتية للمجتمع، تتميز باستمراريتها، فلا يرتهن وجودها بحياة فرد أو عدة أفراد، بل بالوظيفة التي تؤديها في النظام السياسي الاجتماعي ككل.
رابعًا: أنها لا تستطيع استيعاب الطاقات البشرية، بل على العكس من ذلك تعيش استنزافًا متدفقًا في الموارد البشرية، فضلًا عن ضعف الأداء.
خامسًا: أنها واقعة تحت سيطرة التحكم الفردي والإدارة الشخصية المباشرة، وبالتالي استخدام الأسلوب الفردي في إدارتها.
سادسًا: أنها تعيش ازدواجية انفصامية بين ممارساتها الفعلية والأفكار والمبادئ الحقة التي توصي بالشورى ومراعاة حقوق الآخرين واحترام المؤمنين ومداراة الناس.
إن دراسة هذه الخطوط العامة للحالة السلبية التي تعيشها مؤسساتنا، في الكل أو في البعض، تعطينا انطباعًا أساسيًا مشتركًا، وهو أن المنهجية التي تسير عليها هي منهجية تحمل في داخلها الكثير من الإشكالات.
إن الطابع الرئيس في انعدامية الحركة الاجتماعية المتطورة لهذه المؤسسات هو كونها مؤسسات تعمل في إطار المنهج الفردي إدارةً وممارسةً وقرارًا، وهي بذلك فوضى وليست منهجًا، وإن كان تسميتها منهجًا من باب التجوز.
ولكون الفردية هي الأرضية الرئيسية التي تتحرك فيها مؤسساتنا، فإنها تحمل نقيضها الذي يقودها نتيجة إلى ابتلاع ذاتها وموتها؛ لأن طبيعة المؤسسة وحيويتها المستمرة، كما قلنا، تنبعث من انصهارها الاجتماعي واستيعابها البشري واستحكامها في البناء الاجتماعي.
وإذا كانت المؤسسة بشكلها النوعي تهدف إلى إيجاد حركة اجتماعية متميزة من أجل المساهمة الفعالة في بناء المجتمع وتثقيف الناس وقضاء حوائجهم، فإن الحركة الفردية التي تقوض بالفعل والقوة محورية المؤسسة الاجتماعية، بتقويضها لمنهج الشورى والمشاركة الاجتماعية، تصبح مثارًا كبيرًا لكثير من الإشكالات القانونية والحقوقية والشرعية.
فالقائمون بإدارة المؤسسات بالأسلوب الفردي والقرار الاستبدادي، لو تأملوا قليلًا، لوجدوا أنهم بحاجة إلى العديد من المرتكزات القانونية والشرعية، فضلًا عن العقلائية، لنجاح عملهم.
على الصعيد الإنساني والحقوقي
تعتمد المؤسسة على الكادر البشري في تحقيق وجودها الخارجي، وعندما تستبد قيادة المؤسسة بقراراتها ولا تعطي أهمية للرأي الإنساني المساهم في تحقيق وجودها ابتداءً واستمرارًا، فإنها تنتهك أبسط الحقوق الإنسانية التي وهبها الله لكافة البشر، وتحول البشر إلى أداة استعباد لتحقيق تسلطها ومصالحها الخاصة.
على الصعيد الاجتماعي
كما أن المؤسسة الواحدة لا حق لها في حرمان المؤسسات الأخرى من ممارسة نشاطها الاجتماعي باعتبار أنه حق طبيعي لها، فكذلك نفس المؤسسة لا حق لها في حرمان الأفراد الذين يدورون في فلكها من المشاركة في القرار باعتباره حقًا اجتماعيًا تعاقدت عليه الجماعة أو المجتمع بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لإيجاد التوازن والاتفاق بين المصالح الاجتماعية المختلفة.
وبعبارة أخرى، فإن التفاهم العرفي الذي اتفقت عليه الأجيال الاجتماعية المتوالية بصورة غير مباشرة يعطي المؤسسات الأخرى والأفراد الآخرين الحق في ممارسة أدوارهم الطبيعية في المجتمع باعتباره كائنًا لا يتجزأ عن النسيج الاجتماعي، وعلى هذا قامت الفلسفة الجوهرية لتشكيل الكيان الاجتماعي الذي ينظر إلى المجتمع باعتباره وحدة اجتماعية متواصلة ومتسلسلة تحقق التكامل الاجتماعي.
وبذلك فإن منع الآخرين من ممارسة أدوارهم الطبيعية في المشاركة هو سلب لحقهم الاجتماعي والعرفي، وانتهاك للاتفاق العرفي العام.
على الصعيد الاقتصادي
فإن المؤسسة الاجتماعية أو الدينية المستقلة تستقي مواردها المالية بشكل أساسي من الأفراد الذين يهتمون بشأنها ويؤمنون بأهدافها ومنهجها، لذلك فإن الاستبداد الفردي أو استبداد النخبة يحوطه الإشكال من ناحية التصرف المالي المنفرد الذي قد لا يرضي الآخرين، وهذا أمر طبيعي تراه في أبسط المؤسسات التجارية التي لا تعمل إلا حسب اطلاع الشركاء واستشارتهم، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، فإن التزمت الفردي قد يؤدي إلى تحطيم المؤسسة اقتصاديًا لانفضاض المساهمين عنها.
على الصعيد السياسي
إذا كان للمؤسسة مشاركة سياسية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فإنها بالتأكيد تمثل وتعبر عن مجموعة الأفراد والشرائح الاجتماعية التي تشكلها، لذلك فإن القرار الفردي سوف ينعكس عليها سلبًا ويشكك في صدق تمثيلها وشرعية ممارساتها.
على الصعيد الشرعي والديني
فإن ممارسة الاستبداد في المؤسسات الاجتماعية والدينية يحمل معها الكثير من الإشكالات والتأملات التي يمكن أن تشكك في شرعية عمل المؤسسة وإدارتها. فبالنظر إلى الأدلة الشرعية نرى أن الشارع قد ذم الاستبداد في كافة موارده، وأوجب الشورى باعتبارها الضمانة الأساسية لحفظ المجتمع، وخصوصًا أن بعض المؤسسات تحمل في مبادئها أهدافًا تربوية.
فمن ضمن هذه الأدلة:
أولًا: القرآن الكريم: في قوله تعالى: ﴿ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر﴾.
في هذه الآية نرى مجموعة من الملاحظات:
أ- إن لفظة «شاور» هي صيغة أمر، وصيغة الأمر تدل على الوجوب كما يقول الأصوليون، فهنا تدل كلمة «شاورهم» على وجوب المشاورة وجوبًا إلزاميًا، لا يجوز فعل نقيضه، وهو ترك المشاورة، وفعل ضده، وهو الاستبداد.
ب- المأمور بالمشاورة هو رسول الله (ص)، وهذا يعني أن رسول الله (ص) ملزم بأن يشاور المسلمين الذين يشاركونه في مهمة تبليغ الرسالة، ويقوي هذا المعنى ظاهر الخطاب في الآية الشريفة الموجه إلى الرسول أولًا، حيث قالت الآية: ﴿شاورهم﴾.
وإذا لاحظنا سياق الآية القرآنية نجد أنها نزلت في معركة أحد، حيث استشار الرسول (ص) أصحابه، فكان رأيهم أن يخرجوا إلى خارج المدينة، بينما كان رأي الرسول التحصن داخل المدينة، ومع ذلك فإن الرسول استجاب لرأي المسلمين من باب التربية على الشورى.
وبعد تلك الأخطاء التي رافقت المعركة بعدم تنفيذ أوامر رسول الله (ص)، تنزل هذه الآية القرآنية لتأمر رسول الله بمشاورة المسلمين وإن أخطأوا في رأيهم وسلوكهم: ﴿فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر﴾.
هذا وقد ذكر المفسرون العديد من الحكم والفوائد التي تستدعي، بمقتضى العقل والحكمة، مشاورة رسول الله للمسلمين، على الرغم من البون الشاسع بين مستوى النبوة ونفوذ بصيرتها وبين عموم الناس.
ج- إذا كان الرسول (ص)، على عظمته وقدسيته وعصمته التي لا تحتمل أدنى خطأ، بل إن رأيه دائمًا وإطلاقًا هو رأي الوحي، ومع ذلك يؤمر بالشورى، فبشكل أولى يجب على كل من قد تصدى لمهام قيادة المؤسسات أن يعمل بالشورى، خاصة أن غير الرسول والأئمة ليسوا بمعصومين، مما يؤكد الوجوب.
د- إن الآية القرآنية تذكر مجموعة من الصفات الحميدة التي شكلت طريقًا لانتصار الإسلام واجتماع الناس حول الرسول: اللين، والرحمة، والعفو، والغفران، والتي تظهر ممارستها عمليًا بالشورى؛ لأن ممارسة الشورى تظهر قدرات الإنسان الإيجابية في سعة الصدر وتحمل الرأي الآخر واستجابته السلمية للرأي المعارض.
وعلى النقيض من ذلك، فإن هناك صفات ذكرت بعضها الآية القرآنية تؤدي إلى ضعف التماسك الإسلامي وانفضاض المسلمين عنه، وهي نتيجة حتمية لممارسة الاستبداد وآثاره العملية: العنف، والفظاظة، والغلظة، والخشونة.
وهناك آيات قرآنية أخرى تصب في هذا المجال لا يسعنا أن نذكرها هنا.
ثانيًا: السنة: حيث الروايات الكثيرة الواردة عن الرسول والأئمة المعصومين تذم الاستبداد في الرأي وتحث على الشورى، مثل ما ورد عن رسول الله (ص): «ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم». وعنه (ص): «لا يفعلن أحدكم أمرًا حتى يستشير».
وعن أمير المؤمنين (ع): «من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها». وأيضًا عنه (ع): «جماع الخير في المشاورة والأخذ بقول النصيح».
ثالثًا: العقل: حيث إن إدارة المؤسسة تصرف في شؤون الآخرين، والناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم، ولا يجوز التصرف ما لم يحرز رضا وطيب نفس أفراد المؤسسة، فلذلك إن الاستبداد تصرف بغير رضا وعن غير طيب نفس، والشورى تصرف مع الرضا.
رابعًا: قاعدة لا ضرر: الاستبداد بطبيعته السلبية قد يؤدي إلى انتفاع الفرد المستبد وحده أو نخبته، ولكن نتيجته تلحق الضرر بالآخرين الذين بذلوا جهودهم المادية والنفسية والوقتية من أجل بناء الصالح العام للمؤسسة.
وحينئذ فإن الاستبداد بإدارة المؤسسة، دون استشارة الذين أعطوا بعض ما عندهم، هو إضرار بهم، وهو مرفوع ومنهي عنه في الشريعة الإسلامية، كما في الحديث المشهور عن رسول الله (ص): «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام».
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الاستبداد الفردي أو النخبوي بقرار المؤسسة دون استشارة الآخرين قد يؤدي إلى مجموعة احتمالات:
- إيجاد الاختلاف العنيف والسلبي الذي يقود بالنتيجة إلى عرقلة المؤسسة وإيقافها أو تراجعها في أفضل الحالات، وعلى أسوأ الاحتمالات وأكثرها وقوعًا، إلى إيجاد الانشقاق داخل المؤسسة، وبالتالي إلى انقسامها أو ضعفها.
- يؤدي إلى استنزاف الكوادر والطاقات المفيدة للمؤسسة بالخصوص وللمجتمع بشكل عام، بعد أن لا تجد لآرائها وأفكارها مجالًا، مما يقوي فيها الشعور العام بالاستغلال والاضمحلال.
- يؤدي استبداد المؤسسة إلى خرابها، حسب الاستقراء الإجمالي الذي نستفيده من قراءاتنا التاريخية والميدانية، وهذا الخراب ينعكس سلوكًا أو سمعة أو أداءً على المؤسسات الأخرى التي تشكل بمجموعها البناء الاجتماعي.
كل هذه النتائج التي تولدها المؤسسة الخاضعة لقرار الفرد تعطي هذا الاستنتاج القوي بمدى الآثار السلبية التي تخلفها الفردية في المؤسسة والمجتمع، وبالتالي قيمة الأضرار التي تلحقها، وقد تصل في بعض الأحيان إلى الضرر البالغ جدًا الذي قد يلحق بمجتمع كامل أو حتى أمة، باعتبار أن المؤسسة هي جزء لا يتجزأ من ذلك المجتمع أو تلك الأمة.
تبقى المؤسسة ذلك الجدول الصغير الذي يتراكم ليشكل النهر، ثم البحر، ومن ثم المحيط. وبتكاثر القرارات الفردية في المؤسسة الصغيرة تتراكم السلبيات حتى تصبح بحرًا كبيرًا يسيطر عليه فرد مستبد، وربما نكون نحن الذين صنعناه بأيدينا عندما عملنا بالفردية في مؤسساتنا المختلفة، من أصغرها إلى أكبرها، ورضينا بذلك.
وكما يقول علماء الاجتماع بأن رب الأسرة الذي يحكم عائلته بالقوة والاستبداد يرضى بطبيعته عن الحاكم الأعلى المستبد بالقوة والطغيان؛ لأنه يعبر عن النسيج النفسي والأخلاقي نفسه الذي يحمله، فيرضى به ولا يرفضه.