في حوار معمّق يسلط الضوء على جذور الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالمنطقة والعالم، استضاف برنامج "محطات" الذي يقدمه الإعلامي مجتبى الحميري عبر قناة الأنوار الفضائية، الكاتب والباحث في الفكر الإسلامي المعاصر سماحة الشيخ مرتضى معاش، لمناقشة ملف "إدارة الأزمات الاقتصادية: من الاحتواء إلى الحل".

استهل الشيخ مرتضى معاش حديثه بتعريف الأزمة على أنها "نتيجة حتمية لعدم حل المشكلات المتراكمة"، مشيراً إلى أن الأزمات الاقتصادية في أغلبها ليست كوارث حتمية، بل هي "صناعة بشرية" خالصة ناتجة عن الفساد، المحسوبية، وسوء إدارة الموارد. وضرب مثالاً بالواقع العراقي الذي يمتلك موارد ووفرة مالية هائلة من النفط، ولكنه يعاني في الوقت ذاته من أزمات بديهية كأزمة الكهرباء والوقود نتيجة الاختلال بين العرض والطلب وغياب التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.

هشاشة النظام الربوي العالمي مقابل الاقتصاد الإسلامي

وعلى الصعيد العالمي، أوضح الباحث الخلل البنيوي في النظام المالي الرأسمالي، مستذكراً أزمة الائتمان العقاري عام 2008، حيث بيّن أن الاعتماد المفرط على "الربا" والفوائد وجشع تحقيق الأرباح السريعة أدى إلى انهيارات اقتصادية عالمية. في المقابل، شدد على أن النظام الاقتصادي الإسلامي يحقق الأمان من خلال مبدأ "المضاربة" (المشاركة في الربح والخسارة)، وتطبيق فريضة الزكاة التي تخلق توازناً مجتمعياً، مشيراً إلى أن فقر الطبقات الدنيا غالباً ما يكون نتيجته جشع وطمع بعض فئات الأغنياء التي تحتكر الساحة وتمنع فرص العمل.

الريع النفطي والمواطن كضحية أولى

وفي إجابته على تساؤل البرنامج الأبرز: "لماذا يتحمل المواطن دائماً عبء الأزمات؟"، أوضح الشيخ معاش أن اعتماد دول المنطقة، ولا سيما العراق، بنسبة تزيد عن 90-95% على الإيرادات النفطية لدعم "الموازنة التشغيلية" (الرواتب) يخلق اقتصاداً هشاً. فعند هبوط أسعار النفط، تلجأ الدولة لسد العجز عبر رفع الضرائب، والرسوم، أو خفض قيمة العملة، ما يترتب عليه تضخم مباشر في الأسعار، وتآكل في القدرة الشرائية، وبالتالي يكون المواطن هو الضحية الأولى التي تدفع ضريبة التخبط وسوء التخطيط.

انتقاد المشاريع الاستهلاكية وتجاهل البنية التحتية

وانتقد الشيخ معاش بشدة ظاهرة "الاستثمار الشكلي" والإنفاق الاستهلاكي المفرط، حيث تتجه الأموال لبناء مشاريع ظاهرية لا تخدم عجلة الإنتاج، مثل المولات التجارية وناطحات السحاب والمطاعم، على حساب البنى التحتية الأساسية كالتعليم، وتطوير المهارات الفردية، وتأسيس قطاع زراعي وصناعي حقيقي. وأشار إلى أن العراق الذي كان بلداً منتجاً ومصدّراً للغلات الزراعية إبان الحرب العالمية الثانية، أصبح اليوم يعتمد على الاستيراد في أبسط احتياجاته.

خلاصة ومسارات الحل

وخلص التقرير المستمد من اللقاء إلى أن الخروج من دوامة الأزمات المستمرة يتطلب إرادة حقيقية لترشيد الإنفاق بعيداً عن الإسراف والتقتير، وإدارة حكيمة تركز على بناء الإنسان والبنى التحتية، وتنويع مصادر الدخل بدلاً من الارتهان لأسعار النفط المتقلبة. وقد أعلن مقدم البرنامج أن هذا الملف الشائك سيأخذ حيزاً أوسع في الحلقات القادمة لاستكمال طرح "الحلول المستدامة" بدلاً من الحلول الترقيعية.

عن الكاتب

صورة الكاتب
المحرر

عرض السيرة