يتميز الكائن الإنساني عن باقي المخلوقات بأنه كائن يهدف إلى تحصيل المعرفة من أجل إشباع حاجاته المادية والروحية، وهو للوصول إلى المعرفة يستخدم عقله مفكرًا عبر مراحل استدلالية مختلفة ومتعددة، وعبر مقدمات متسلسلة يستنبطها حدسه العقلي حتى يبلغ مأربه ويشبع ظمأه؛ لذلك اخترع المتقدمون من الحضارات القديمة قواعد وضوابط عقلية أسموها المنطق، حتى تصبح ثوابت عامة في المعرفة الإنسانية. ذلك أن الإنسان قد لا يصل غالبًا إلى المعرفة التي تكشف عن الواقع، أو قد يضع لنفسه معرفة تطابق هواه ورغباته ومصالحه؛ لذلك يخطئ كثيرًا في تحصيل المعرفة أو استخدامها بالصورة الصحيحة.

وإذا كان الإنسان كائنًا مستدلًا عقلانيًا، فإن نمط حياته العام يتشكل حسب نوعية الحركة المعرفية التي يتخذها، وحسب أساليبه الاستدلالية، وقد تتخذ أمة كاملة منهجًا استدلاليًا ومعرفيًا خاطئًا يقودها إلى اتجاه معاكس ولا يوصلها إلى أهدافها.

إن تغيير كثير من الأخطاء التي نعيشها، وتغيير واقعنا إلى واقع جديد سليم، يعتمد بشكل كبير على كشف الأسلوب الذي نفكر به، فإذا كان واقعنا سيئًا ومريرًا فهذا يعني أننا نفكر بأسلوب خاطئ، ولا بد من أن نغير أساليبنا الفكرية والاستدلالية لتغيير هذا الواقع المتخلف.

إن الكثير من الأشياء في هذه الحياة تبدو لنا، في ظاهرها، سليمة وخالية من العيوب؛ لذلك نعمل وفق هذه الرؤية ونشكل حياتنا وما يتبعها على ضوئها، ولكن قد تكون هذه الأفكار ليست إلا أخطاء تعودنا عليها عبر الزمن، حتى يسيطر الركود والجمود والتخلف علينا؛ ذلك أن الاستمرار على الخطأ يؤدي إلى خلق تراكمات متتالية لمجموعات من الأخطاء المعقدة، وهذه هي إشكالية في المنهجية التي يفكر فيها الفرد أو الجماعة أو المجتمع أو الأمة.

إن العبرة التي نستخلصها هي أن المنهج الفكري هو الذي يحدد مسيرة فرد أو أمة، وحياة الأمة وحيويتها مرتبطة بنوعية التفكير الذي تسير وفقه، فكم من أمة اندثرت وماتت عندما غرقت في المستنقعات الراكدة لأفكارها الجامدة، وكم من أمة نهضت بنهوض أفكارها التي غذتها بالحياة والروح عندما اعتمدت منهجًا سليمًا في نظامها الفكري.

 استكشاف آفات الفكر الإنساني

ما الذي يجعل التفكير ينقاد إلى الاستدلال العقيم أو السقيم؟ هذا السؤال هو الذي يفرض نفسه علينا لمعرفة الأخطاء الفكرية التي يقع فيها الفرد عبر مراحله المختلفة. وإذا كان القدماء قد وضعوا المنطق المعروف بمنطق أرسطو، فإن هذا المنطق لا يستطيع أن يستدرك هذه الأخطاء بكاملها؛ لأنه يعتمد على آلية ميكانيكية لا تنظر إلى مختلف المراحل والظروف الفكرية التي يمر بها الإنسان، إذ إن العقل الإنساني ليس مجرد آلة تصنع الأفكار، بل إنه خاضع في كثير من الأحيان لمجموعة من الرغبات والميول النفسية والحوافز الاجتماعية والدوافع الذاتية والضغوط الخارجية. لذلك لا بد من دراسة منهج التفكير الإنساني وأسلوبه من خلال الآفات التي تصيب الفكر وتعطل حركته أو تجعله مريضًا لا يفكر بالطريقة الاستدلالية السليمة.

إن استكشاف آفات التفكير يعطينا القدرة على استدراك الأخطاء التي نقع بها، وعندما نخضع لمنطق إمكان الخطأ في أساليب التفكير ونعترف بذلك، فإننا نستطيع أن نغير الكثير من أساليبنا في الحياة عبر تغيير أساليب التفكير. قال تعالى في كتابه الحكيم: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.

 اليقين المطلق

وظيفة المعرفة هي الانتقال من المعلوم للوصول إلى المجهول عبر مجموعة من المقدمات التي يربط الفكر بينها ويستدل منها لإشباع نهمه في قطف الحقائق؛ لذلك عندما تتكامل هذه المقدمات يحصل على نتيجة تعطيه اليقين الذاتي. هذا اليقين قد يكون حقيقة عندما يتطابق مع الواقع؛ لأن المستدل اتخذ الطرق العقلية السليمة في الاستدلال، وهنا يكون يقينه سليمًا معترفًا به لدى العقل وعُرف العقلاء.

وبعبارة أخرى، اليقين السليم هو اليقين الذي يكون موضوعيًا، لا تتحكم فيه الظروف والمصالح والعوامل الذاتية، أي إنه يرتكز على أدلة منطقية مقنعة لأي عقل بحد ذاته. وقد يكون يقينه وهمًا لا يتطابق مع الواقع؛ لأنه استدل بمقدمات غير صحيحة، أو توهم أنها صحيحة، أو رغب لا شعوريًا في أن تكون صحيحة؛ لذلك يصل إلى نتيجة هي يقين وهمي يتمسك به على أنه يقين مطلق. هذا اليقين الوهمي هو منشأ للكثير من الأسقام الفكرية والنفسية، والأمراض الأخلاقية، والمشاكل السياسية والاجتماعية، مثل التعصب والاستبداد والغرور والنزاعات والانشقاقات...

إن الإنسان ليس له آلة مجبرة تنتج الأفكار المطلقة، بل هو إنسان يمتلك مجموعة من الصفات المتضادة، والرغبات النفسية المتنازعة، والمشاكل الروحية المقلقة؛ لذلك فإن هذا الإنسان قد يكون مصنعًا لإنتاج الأخطاء، والتاريخ الإنساني شاهد على ذلك. وعلى هذا، فإن اليقين الواقعي هو من أصعب النتائج الفكرية التي يمكن أن يصل إليها الإنسان.

إن اليقين الذاتي هو شعور داخلي لدى الفرد بأنه متأكد من هذا الشيء، وهذا اليقين كثيرًا ما يكون مضللًا؛ إذ إن شعورنا الداخلي قد لا يكون على أي أساس سوى ميولنا واتجاهاتنا الذاتية، وهذا الأمر يزداد كلما ازداد الإنسان جهلًا، أو سيطرت عليه الرغبات النفسية بشكل أكبر، فنلاحظ أن أكثر الناس يقينًا هم عادة أكثر الناس جهلًا؛ فالشخص المحدود الثقافة موقن بصحة الخبر الذي يقرأه في الجريدة، وبقطعية صحة الإشاعة التي سمعها من الآخرين، وبيقينية هذا الحلم الذي رآه في منامه، ويرتب عليه آثارًا في الخارج.

لكن كلما ازداد المرء علمًا تضاءل يقينه بالنسبة للكثير من الأمور، وازداد استخدامه لألفاظ مثل: من المحتمل، ومن المرجح، وأغلب الظن...، بل إن بعض العلماء قد لا تجد شيئًا يقينيًا يجزمون به في كلامهم وكتاباتهم؛ لأنهم، من خلال خبراتهم في الحياة، يدركون أنهم مهما وصلوا إلى الحقيقة فإنها مجرد قطرة صغيرة من ذلك البحر المتلاطم المجهول. قال تعالى عز وجل: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، العنكبوت: 43.

إن أحد أسباب ديمومة الفكر الشيعي وتطوره هو أسلوب تعامله مع اليقينيات؛ فليس كل ما وصل إليه الفقيه في استنباطه هو يقين أو حكم واقعي مطابق للواقع، بل قد يكون هذا الحكم خاطئًا؛ لذلك يطلقون عليه اسم الحكم الظاهري، أي إنه في ظاهر الحال حكم مستدل عليه، وقد لا يتطابق مع الواقع، وهو قابل للنقاش والتأمل. لذلك يُسمّى أتباع هذا المنهج بالمخطئة، أي إنهم يخطئون الفقيه ولا يعطون لفتواه ورأيه القدسية المطلقة. وذلك هو عكس ما اتخذه أهل السنة من منهج أُطلق عليه المصوبة، الذين يرون أن كل ما رآه الفقيه واستنبطه هو حكم واقعي يقيني ليس فيه خطأ.

إن ما يصنع حياتنا ويشكلها هو ذلك النوع من التفكير العام في حياتنا اليومية، فكم من صدام وشقاق حصل لأن الأطراف تحاول أن تحتكر اليقين لنفسها وتجعله مقدسًا لا يمكن النقاش فيه، وكم من شخص حاول أن يمنع الآخرين من التعبير عن آرائهم، واستبد بالأمر وحده عندما ظن أنه هو صاحب اليقين المطلق والمقدس، الذي إن تعرض لانتقاد يحكم على المتجرئين بأنهم مارقون مرتدون.

إن أصحاب هذا المنهج العليل في تقديس يقينياتهم، بأسلوبهم هذا في مواجهة معارضيهم، عرضوا كل الحقائق للتجريح والهدم؛ فعندما يسيطر المستبد على الأمة ويفرض رأيه عليها يتكون رد فعل عكسي من الجماهير التي ترتد عن كل الحقائق، وتضع خطوطًا حمراء على كل اليقينيات حتى الصحيحة منها، وهذا التعميم الجماهيري في فهم الحقائق لا شك أنه آفة فكرية أخرى.

إن الالتزام بمدرسة الحكم الظاهري في حياتنا اليومية أيضًا يمكن أن يحل الكثير من المشاكل المعقدة التي نواجهها؛ فليس كل ما نعرفه ونمتلكه من معلومات هو يقين، وليس كل يقين هو أمر يطابق الواقع. فإذا فكرنا بهذا الأسلوب فإننا يمكن أن نكتشف الكثير من الحقائق ونصحح ما هو خطأ، بل إن استخدام النقد في أساليب الاستدلال يمكن أن يعطي إثباتًا إضافيًا لقوة الشيء الذي نريد إثبات أنه يقيني. ولا داعي للخوف من الدراسة النقدية والفكرية لبعض المفاهيم والقيم؛ لأن العقل السليم، عبر استخدامه للمنهج السليم في الاستدلال، لا شك سيقترب من النتيجة الواقعية.

نعم، قد يكون هناك من يستخدم الشك كأسلوب مغالطة مريض لهدم الآراء الأخرى، من دون اتخاذ الاستدلال السليم والمنهجي المنظم، وذلك لكسب الشهرة وإثارة الفتن. ولكن النقد المنهجي الذي يستخدم الموضوعية هو تقوية لإيماننا بمفاهيمنا وعقائدنا؛ لأنها لا شك تنسجم مع استدلال العقل السليم.

 التفكير الارتغابي

هو نوع من التفكير توجهه الرغبات لا الوقائع، وهو نقيض التفكير الواقعي الذي يبذل جهدًا في معرفة الوقائع ثم يقصر نشاطه العقلي عليها. وهذا النوع من التفكير من المشكلات الأساسية التي تعرقل حيوية الأمة وتقدمها، بل إنه يقودها إلى التراجع والتخلف؛ لأنه:

التفكير الارتغابي يرسم أفكار كل فرد أو جماعة بحسب مصالحه وأهدافه، وبالتالي فإن سلوكه الاجتماعي العام سوف يتشكل حسب هذا المنطلق؛ لذلك تتعمق الانشقاقات واللامبالاة وعدم تحمل المسؤولية والأنانية.

التفكير الارتغابي يرسم للإنسان واقعًا وهميًا يحلم به، فيجعله يحلق من غير أجنحة حتى إذا تيقظ سقط سقوطًا مريعًا. هذه الأفكار التي توجهها الرغبات النفسية تحول الفرد إلى حالم بعيد عن الوقائع، يعيش في أوهام تبعده عن مسؤولياته وتبرر له عزلته وانقطاعه؛ فعندما لا يستطيع الإنسان أو الأمة أن يواجه أزماته، ينخرط في موجات التصوف والرومانسية التي تجعله منسلخًا عن واقعه.

التفكير الارتغابي، لأنه لا يتقيد بالواقع، فإنه يشوه الرؤية ويجعلنا ننظر إلى الخارج كما نريد، لا كما هو في الواقع؛ لذلك تبقى الكثير من المشكلات على حالها.

 الاستسلام والخضوع

هو سيطرة فكر أو أفكار على الجو الاجتماعي، بحيث يتم استلاب العقل وتحول ذلك الفكر المسيطر إلى سلطة مطلقة غير قابلة للنقد والنقاش. وآفة الفكر هنا ليست في وجود هذه السلطة، بل في الاستسلام المطلق لها، والمثال على ذلك تاريخيًا هو سيطرة شخصية أرسطو على وسائل المعرفة، بحيث كان مصدر السلطة الفكرية والعلمية لقرون عديدة، وفي بعض العصور فإن الخارج على هذه السلطة كان يتهم بالارتداد. ومثال آخر على ذلك هو المعركة التي جرت في القرون الوسطى حول كروية الأرض ومركزيتها، بحيث تحولت إلى محرقة لكل من ينكر هذه النظرية.

القرآن الكريم انتقد الاستسلام والمستسلمين للسلطة الفكرية بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾، البقرة: 170.

لقد أثبت التاريخ أن الكثير من الأفكار كانت خاطئة، وكان يمكن تصحيحها لو كان هناك من لم يستسلم ويخضع لذلك المنطق، ولكن الاستسلام هو أسلوب مريح في حل المشكلات، ويعبر عن العجز والافتقار إلى الروح الخلاقة. فالإنسان بطبيعته، خاصة إذا سيطر الجهل عليه، يضع هالة مقدسة على كل شيء توارثته الأجيال، بحيث يدل ذلك عنده على صحته وواقعيته.

إن الفكر الإنساني تكوّن من خلال تراكم الخبرات؛ لذلك فإن إنكار القديم هو خطأ أيضًا، بل لا بد من الاستفادة من الخبرات الماضية، ولكن ليس بمنطق الاستسلام، بل بمنطق النقد والفكر والتخطئة.

بعض الأفكار تسيطر لأنها مشهورة ومنتشرة، وهذا الأمر عند البعض يعتبر حقيقة وواقعًا، كما يحدث ذلك للجماهير الغالبة التي تبحث عادة عن الأسهل والمريح، وهي تتجمع سويًا حول الرأي الواحد بسهولة، والفرد يميل نحو الكثرة ويستظل بظلها؛ لذلك ينجر وراء رأي الأكثرية. وهناك القليل ممن يمتلكون الجرأة والوعي ليواجهوا برأيهم وفكرهم الرأي الذي اتخذته الفئة الغالبة؛ لذلك يسيطر منطق الاستسلام، في هذه الحالة، على الضعفاء فكريًا ونفسيًا وروحيًا.

وقد كان البعض يستغل هذا الأمر في تعبئة الجماهير لأغراض فئوية أو انتخابية أو سياسية، عبر نشر أفكار معينة بشكل واسع وتضليل إعلامي كبير، بحيث يسهل التحكم بهذه الجماهير وضرب المعارضين لهم. ومنطق الاستسلام للرأي المنتشر بين الكثرة هو منشأ للكثير من مشاكلنا الحديثة، وخصوصًا سيطرة الأنظمة الاستبدادية والانقلابية بتهييج الرأي العام الشعبي لصالحها، وإحكام سلطتها عبر ذلك. لقد تحول الاستسلام إلى عادة مترسخة في ثقافتنا وسلوكنا، بحيث تعلمنا ألّا نفكر، وألّا نناقش، وألّا ننتقد، بل إننا نخاف أن نفكر.

يقول الله تعالى عز وجل: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، الحج: 46.

 التعصب

هو محاولة لاحتكار الحقيقة والرأي واتهام الآخرين بالخطأ دائمًا، إذ إن التعصب تحمس زائد للرأي الذي يعتقده الشخص، وموقف معاد للرأي الآخر؛ فلا يكتفي المتعصب بأن يحتكر الرأي لنفسه وينطوي على ذاته وينسب إليها كل الفضائل والقدسية، بل يهاجم الآخرين ويسلبهم الفضائل وينكرها، ويؤكد ذاته من خلال هدم آراء الآخرين. وعندما يصبح لرأي الفرد أو الجماعة التي ينتمي إليها الفرد تلك القدسية، بحيث يتحول الرأي الآخر إلى ارتداد، فإن العقل سوف يتعطل ويفتقد المرونة اللازمة لصراع الأفكار في داخله؛ لأن الاستدلال السليم لا يتم إلا عبر تقييم وتمييز متعدد لمجموعة أفكار متضادة متنوعة، حتى يصل إلى اختيار منطقي لفكرة ما.

أما في حالة التعصب، فإن هناك منطقة محرمة تمنع دخول الأفكار الأخرى، فلا يرى الفرد أو الجماعة إلا فكرة واحدة، وحينئذ يكون تفكير المتعصب واستدلاله دائمًا خاطئًا، بل ويكون هشًا ضعيفًا لا يستطيع مقاومة المنطق الاستدلالي للأفكار الأخرى، وهنا يلجأ إلى استخدام العنف بكافة أشكاله لفرض أفكاره ومعتقداته على الآخرين.

ومن منا ليس في داخله شيء من التعصب السلبي لذاته، يحجب عنا نور الحقيقة ويعطل الاستدلال السليم في عقولنا؟ إننا نتحول إلى أناس عنيفين في حوارنا مع الرأي الآخر عندما نجد أن استدلالنا ضعيف، وأن فكرتنا خاطئة، فنتمسك بها ونجادل فيها. والتعصب يحاول أن يضع حدًا لتلك المعركة القلقة التي تنشب في نفسه حين يستخدم عقله بطريقة نقدية، فيحاول أن يستعيد التوازن النفسي عبر تخدير العقل، وإن كان ذلك على حساب الفكر والاستدلال السليم.

وأعظم الأخطار الفكرية التي يفرزها التعصب أنه يجعل الحقيقة ذاتية ومتعددة ومتناقضة، وهو يتعارض مع كون الحقيقة واحدة في الأمر الواقع. فكل متعصب يصنع حقيقة خاصة لنفسه ويؤكد خطأ الآخرين، والمتعصب الآخر يفعل ذلك أيضًا، حتى تضيع الحقائق وتنطمس الرؤى. ولو كان الأمر هكذا، بأن تخلق كل جماعة حقيقة خاصة بها تنسجم مع مصالحها ورغباتها، وترفض الحوار مع الآخر والتأمل بآرائها، لتعطل دور العقل في التفكير والاستدلال، ولما كان له الحكم في الفصل بين القضايا وكشف التناقض.

 الجمود والركود الفكري

أحد ملامح موت الأفراد والأمم هو الجمود والركود الذي يسيطر على الفكر والعقل، بحيث تسيطر مظاهر الثبات على مختلف الفعاليات العقلية، وهذا الأمر يرجع إلى عدة أسباب:

1- افتقاد الوعي اللازم لمعايشة الحياة ومواكبتها.

2- عدم تحمل المسؤولية واللامبالاة؛ لأن التفكير والتجدد يفرضان على الإنسان مسؤوليات متعددة، خصوصًا عندما يواجه مجتمعًا سيطرت عليه الكثير من الأفكار الجامدة.

3- الخوف من الجديد وما يأتي من تطورات؛ فالقديم يستأنس به الإنسان ويعرف حدوده ومعانيه، أما الجديد فإنه يتطلب طاقات فكرية واجتهادًا وسعيًا، وهذه كلها أمور يتعب منها العقل الذي تعود على الرخاء والكسل والأفكار الجاهزة.

4- الترف الفكري، وهو يحدث عندما يعجز الفرد عن حل المشكلات التي يواجهها عن طريق الفكر، أو يخاف، لظروف سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، أن يواجهها؛ لذلك يلجأ إلى الترف الفكري الذي يحوي الكثير من الضبابية والهروب من الواقع إلى عالم لا مسؤوليات فيه.

إن الجمود يصنع مجموعة مظاهر سلبية تعطل الاستدلال الفكري الحيوي، وتوقف العقل عن ممارسة دوره الطبيعي، منها:

1- الاهتمام بالقشور والهوامش وترك الأولويات، فيغوص الفكر في أمور لا طائل لها، وتنحصر المناقشات في قضايا هامشية تُنسي القضايا الأساسية، كالجدال البيزنطي الذي جرى بين علماء النصارى في مدينة البيزنطية حول ناسوت عيسى (ع) أو لاهوته، في الوقت نفسه الذي كانت جيوش العثمانيين تدق حصونهم لتستولي على مدينتهم.

2- التقليد الأعمى هو أحد مظاهر الجمود، وهذه الحالة تنشأ عندما يوجب المجتمع على أفراده اتباع فكرة معينة دون نقاش أو نقد، ويحرم عليهم عبور الخطوط الحمراء التي وضعها، فيقضي على الإبداع والتطور ويطمس ملكة التفكير والابتكار. والأسوأ من ذلك أنه يكوّن قاعدة عقائدية ضعيفة الأسس والمرتكزات، تنهار بسرعة عندما تواجهها أفكار أخرى في معترك الصراع العقائدي؛ لذلك تموت الجماعات التي تفرض على أفرادها التقليد الأعمى بسرعة وتندثر، وبعض هذه الجماعات الهشة يحرم على أفرادها خوض مناقشات عقائدية أو فكرية. إن القوة العقائدية والفكر المتين ينبعان من القدرة على النقد والتحليل وفهم الحقائق بأسبابها ومسبباتها؛ لذلك نرى أن الفكر الشيعي يوجب على أتباعه أن يعتقدوا بأصول الدين عقلًا وتفكيرًا واستدلالًا، ولا يجوز التقليد فيها عند علماء الشيعة.

3- التفكير السطحي والآني هو أحد آفات الفكر التي تحجّم الاستدلال؛ فالإنسان الذي يغرق في مشاكل حياته اليومية يصبح عاجزًا عن التفكير المنهجي والمنظم، وحين تسيطر عليه الجزئيات يصبح تفكيره مجرد رد فعل؛ أي إنه يفكر كالطفل حسب الاستجابات التي تطرأ عليه خارجًا، فهو حينئذ مجبر على التفكير في قضايا جزئية معينة، ويعجز عن خلق أفكار وإبداع أشياء جديدة، وهذا هو الذي خلق الإنسان الآني الذي يعيش في يومه فقط ولا يفكر في الغد والمستقبل.

لذلك تصدر أغلب الأفعال من دون تفكير، وحين نقع في الأخطاء فإننا حينئذ نحاول أن نفكر بذلك، ونخلق أفكارًا لتبرير سلوكنا والدفاع عن أخطائنا، وهذا هو منطق التفكير العاطفي، وهو عكس التفكير المنطقي؛ لأنه يستهدف الدفاع لا البرهان. فالذين يفكرون قبل أن يعملوا قليلون، والذين يعملون دون أن يفكروا كثيرون في مجتمع تعلم وتربى على أن يكون محدودًا لا يفكر. وعندما يحاول الإنسان أن يبرر سلوكه الخاطئ، ويعمل دون تفكير منهجي منظم مسبق، يستمر في الوقوع في الأخطاء حتى يتأقلم معها، وتصبح من الملفات المؤجلة والعادات المتجذرة، فتصبح تدريجيًا حالة طبيعية متأصلة في سلوكنا من دون أن نشعر بذلك.

إن التفكير السطحي السريع ينعكس فقط في فهم الظواهر فهمًا شكليًا متعجلًا، معتمدًا على الخبرة الشخصية الذاتية المحملة بانطباعات وتصورات ذاتية مغرورة، دون أن يخترق الأعماق ليفهم الواقع فهمًا تحليليًا للوصول إلى الأسباب والعلل. والتحليل الفكري العميق يعطي الكثير من النتائج المذهلة للفكر الإنساني، حيث يخلق مجموعات متوالية من الولادات الفكرية المبدعة والمفيدة.

 التعقيد اللغوي

إن اللغة هي سبب كبير في تطور الفكر، وتشجع الإنسان على التفكير والإبداع؛ لأنها تخلق الكثير من المعاني التي تعبر بمفردات جميلة عن خواطر الإنسان وأفكاره. ولكن، في بعض الأحيان، تتحول اللغة إلى عائق كبير في تطور الفكر والعلم عندما يحبس أرباب العلم علومهم باصطلاحات ورموز تجعل من الألفاظ ألغازًا يصعب فهمها على من يقرأها؛ فبدلًا من أن يحاول القارئ استيعاب الفكرة، يستغرق وقته في حل رموز الألفاظ والضمائر وما تدل عليه من معانٍ. وإذا طالعت بعض الكتب العلمية من الطب أو علم النفس أو الأصول والفلسفة، فإن محتواها من المصطلحات أكبر من المعاني التي فيها، فالمؤلف يحاول أن يرفع من شأن كتابه عبر تقزيم الأفكار لصالح تعظيم المصطلحات.

إن التفكير الاستدلالي يصبح غير مفيد عندما يقع في مجادلات لفظية عقيمة تهدف إلى مجرد الجدال لإثبات الذات، وليس للوصول إلى الفكرة السليمة. وإذا تعود الفكر على المغالطة الجدلية، متجاوزًا الإذعان للحقيقة عندما يصل إليها، فإنه يكون حينئذ من السهل خلط الحقائق وتذويبها في متاهة المغالطات والمجادلات، وعندها يتحول الجدل والمغالطة إلى حالة منهجية مسيطرة على التفكير وتعوقه عن الاستدلال السليم.

إن منهج استكشاف آفات التفكير يهدف إلى التأمل في الكثير من العادات التي أصبحت روتينًا ثابتًا في حياتنا اليومية، بحيث إن كل ما يجدّ علينا يكون غريبًا وغير مفهوم لدينا؛ ولذلك يجابه الجديد والمتجدد بموجة من الاستنكار، فينهار أمام الضغوط ويستسلم لها، كما فعل ذلك غاليليه في القرون الوسطى عندما أعلن عن عدم مركزية الأرض للكون، فجوبه بالإعدام حرقًا، فاضطر للتخلي عن فكرته؛ لذلك كانت العصور الوسطى من أسوأ العصور في التاريخ الإنساني. وقد يكون عصرنا الحالي ليس بأقل سوءًا عندما يصبح التخلف الحضاري الذي نعيشه أمرًا طبيعيًا قد تعودنا عليه، بحيث أصبح جزءًا لا ينفك عن حياتنا، ويكون البحث عن التغيير من المحرمات التي لا يجوز المساس بها.

إن الله عز وجل قال في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، فإذا أردنا أن ننتشل الأمة من الواقع المأساوي الذي تعيش فيه، فلا بد من تغيير أنفسنا، وتغيير النفس لا يتم إلا عندما نغير من أسلوب تفكيرنا واستدلالنا؛ لأن الفكر هو الذي يصنع سلوك الإنسان ويشكل ثقافته. وما كانت عظمة الأنبياء والمصلحين إلا لعظمة أفكارهم التي أنارت للإنسانية سبل الهداية والحضارة.

*مقال منشور في مجلة النبأ، العدد 38، رجب 1420هـ/تشرين الأول 1999، تحت عنوان: «ملاحظات منهجية لاستكشاف آفات التفكير».

عن الكاتب

صورة الكاتب
مرتضى معاش

عرض السيرة