إن التساؤل الذي يستدعي الإثارة هو مدى فاعلية العنف ونجاحه في إحداث التغيير الجذري الشامل الذي يعقبه استقرار وهدوء سياسي واجتماعي واقتصادي. هذا الأمر هو الذي يطرح التمايز بين حركتي العنف والإصلاح، حيث «إن أهم الفروق بين الحركات الثورية والحركات الإصلاحية في وسيلة التغيير تتمثل في: أن الإصلاح والتطور يأتيان بالوسائل السلمية، أما الثورة فإنها تتم عادة باستخدام العنف الشعبي، وفي سرعة التغيير حين يتم ببطء في حركات الإصلاح، بينما يتم في حالات الثورة بسرعة فجائية»(1).

العنف في اللغة

إن دراسة منهج العنف، وتتبع دلالاته اللغوية والعرفية والعقلية، واستقصاء آثاره السياسية والاجتماعية والثقافية والتاريخية، يمكن أن تعطينا بعض العينات والنتائج التي قد ترشدنا إلى معرفة تأثير العنف في حركة التغيير.

يقول صاحب لسان العرب: «العنف الخُرق بالأمر وقلة الرفق به، وهو ضد الرفق، وهو عنيف إذا لم يكن رفيقًا في أمره، وفي الحديث أن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وكل ما في الرفق من الخير ففي العنف من الشر مثله، والخُرق بالضم: الجهل والحمق، والعنيف الذي لا يحسن الركوب وليس له رفق بركوب الخيل».

وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «الرفق يُمن والخُرق شؤم»(2)، وقال أمير المؤمنين لولده الحسين (عليهما السلام): «يا بني، رأس العلم الرفق، وآفته الخرق»(3).

الدوافع لنشوء العنف

إن معرفة أسباب العنف والدوافع التي تحرك الفرد أو الجماعة لاستخدامه يمكن أن ترفدنا بالمؤشرات اللازمة لفهم مدى قدرة أسلوب العنف على إيجاد التغيير الفعال.

تختلف الدوافع نحو العنف، حيث يعزو علماء النفس وجود العنف إلى مجموعة من الأسباب، منها أن العنف طبيعة عدوانية متجذرة في الإنسان، حيث إن «القوة عامل طبيعي مرتبط ارتباطًا وجوديًا جوهريًا بكل كائن حي، بمعنى أن تأكيد الحياة في الحيز الطبيعي لا يمكن أن يحصل بدون القوة، وظاهرة تأكيد الحياة هذه نجدها في مختلف أشكال التنازع والانتقاء البيولوجيين»(4).

ولكن الإنسان كائن عاقل مختار يختلف عن باقي الكائنات بكونه متحكمًا بغرائزه، لذلك استطاع الإنسان «أن يكبح جماح العنف، وذلك بإخراجه من دائرة الطبيعة إلى دائرة العقل، فلو بقي الإنسان في دائرة الطبيعة لا يرى سوى حقيقته المطلقة التي ترسمها له مصالحه الفردية وقوته وحاجاته، لأصبحت حياته عنفًا مستمرًا، والحياة الاجتماعية لا تطاق. غير أن العقل البشري يدخل عنصر الحوار في علاقة الفرد مع الآخرين، فينشأ بذلك مبدأ المفاوضة والعقد الاجتماعي ومجموعة القواعد والنظم والمؤسسات التي من شأنها تنظيم الحياة الاجتماعية تنظيمًا يتراجع حياله العنف الطبيعي إلى حده الأدنى»(5).

فالعنف يمثل استثناءً في حياة الإنسان، الكائن الاجتماعي، عندما لا تستجيب المؤسسة الاجتماعية لمصالحه التي يراها حقوقًا مشروعة لنفسه. يقول إريك فروم: «إن العنف والتدمير يمثلان الناتج التلقائي والحتمي للشعور بالإحباط الذي ينشأ عن الصدمة الناتجة عن خذلان الآمال والتطلعات لسبب أو آخر»(6).

والإحباط يشكل سببًا رئيسيًا في نشوء العنف عند علماء النفس، باعتبار أن «الإحباط حالة مؤلمة تنزع الذات إلى إبعادها وإلى الخلاص من الضغط الذي ينجم عنها، ويكون العدوان أحيانًا السلوك الدفاعي للذات في سعيها وراء الخلاص من ضغط الإحباط»(7).

والإحباط حالة من اليأس القاتل الذي يستولي على الإنسان، فتسلبه قدرة التفكير المنطقي السليم، وتدفعه إلى اتخاذ مواقف غير طبيعية لا يمكن التكهن بنتائجها. لذلك لا يشكل العنف سلوكًا عقلانيًا نابعًا من وجود استقرار نفسي يوفر الأجواء الطبيعية المناسبة، فالعنف سلوك غريزي هدفه تفريغ الطاقة العدوانية الكامنة داخل الإنسان، وإن «الإحباط سبب العدوان، وكلما زاد الإحباط زادت حدة العدوان»(8).

ويرى البعض أن العنف ينشأ من اختلال النظام السياسي الذي ينظم العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بين مختلف قطاعات المجتمع، وخصوصًا العلاقة بين الحاكم والمحكوم. فعندما تختل التوازنات التي تحافظ على استمرارية النظام، يلجأ البعض إلى العنف للحفاظ على مصالحه أو استعادة حقوقه التي يراها قد سلبت منه.

ويمكن تلخيص هذا الأمر بعبارة وجيزة، وهي: افتقاد أجواء الحرية والقدرة على التعبير والحركة، وسيطرة الاستبداد والشمولية، وتمركز القوة وقمع التعدد الفكري أو السياسي. ولهذا فإن «غياب القنوات الوسيطة أو عدم فاعليتها التي تقوم بتوصيل المطالب وتنظيم العلاقات بين الحاكم والمحكوم، وعدم اعتراف الأنظمة الحاكمة بمبدأ المعارضة السياسية وتعقب العناصر والقوى المعارضة بكل الأساليب، دفعت بعض القوى الاجتماعية والسياسية إلى الانخراط في أعمال العنف، فعندما لا توجد قنوات للتعبير الشرعي ينفتح الباب أمام العنف»(9).

ففي «عالم لا تجد فيه الجماعات مكانًا لقيمها وحرياتها وحقوقها المشروعة، لا يسعها إلا أن تجد في قضيتها الحقيقة المطلقة، ولا تعود تؤمن إلا بها، فتنقاد إلى استعمال الإرهاب كحل أخير تلوح فيه بوارق الأمل»(10).

فغياب القدرة على التعبير السلمي الحر يجر الجماعات والأفراد إلى الوقوع في حلقة متسلسلة من أعمال العنف قد لا تنتهي بسهولة، وتزيد من الوضع القائم سوءًا. ويحاول البعض أن يرمي معظم اللوم في نشوء العنف على الأنظمة السياسية المستبدة التي تمارس الحكم بالعنف والقمع والإرهاب، ذلك أن «إرهاب الدولة، نظرًا لشراسته وتأثيره الواضح والعميق، يشكل السبب الرئيسي لنشوء العنف عند الأفراد، وبالتالي لنشوء إرهاب الضعفاء، إذ طالما هناك حكومات قادرة على التفرغ لممارسة الإرهاب، فإن الإرهاب المضاد يبقى الرد الوحيد والممكن من قبل ضحاياها»(11).

ولكن رد الضعفاء هو، في الغالب، رد فعل غير مدروس، منبثق من حالة اليأس والشعور بالعجز وافتقاد القدرة على ممارسة أي تكتيك آخر يمكن أن يواجه تلك الأنظمة الشمولية، والحال أن العنف غير قادر على شل تلك الآلة القمعية، إن لم يزد في ضراوتها. ففي «النظام التوتاليتاري يبدو إرهاب الضعفاء عاجزًا عن النمو والتأثير الفعال، وذلك بمقدار ما تستطيع قوى القمع أن تقضي على كل مقاومة أو معارضة»(12).

ويضع البعض مؤشرًا قياسيًا على إحصاء الدلائل التي تشير إلى أسباب نشوء العنف، حيث ترتفع في النظم الاستبدادية، و«تنخفض في النظم الديمقراطية نظرًا لوجود مؤسسات سياسية وسيطة تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وتضبط الصراع الاجتماعي»(13).

والسبب الآخر الذي يدعو نحو العنف هو التطرف والإيمان المطلق بما يحمله من معتقدات والتعصب الأعمى لها. فالتطرف «اتجاه عقلي يجعل الفرد يؤمن بأن أفكاره واعتقاداته هي الصحيحة، ومن ثم يتشدد في الحكم على الآخرين إما باتباعها أو الحكم عليها بالكفر»(14).

ومشكلة التطرف لا تقف عند هذا الحد، بل تتصاعد إلى مستوى استخدام العنف لإجبار الآخرين على الخضوع المطلق، لذلك فإن «التطرف في رأي يلحقه تعصب لهذا الرأي، وعندها يتحول التطرف والتعصب إلى سلوك غالبًا ما يستخدم العنف كوسيلة لتحقيق أهدافه»(15).

وعندما يصبح التطرف الثقافة الغالبة في المجتمع، وتفتقد حالة الوسطية المبنية على التفكير الموضوعي والاعتدال النفسي والعقلاني، يصبح المجتمع على حافة السقوط في هاوية العنف والإرهاب. وما أكثر المجتمعات التي انخرطت في أعمال عنف دامية ومدمرة، جرت إلى حروب أهلية وربما عالمية نتيجة للتطرف الفكري والحزبي والطائفي والقومي.

فالتطرف يسعى إلى إلغاء الآخرين ومركزية الاتجاه الواحد والحزب الواحد وسيطرته المطلقة، وهذا ما يثير ويجر إلى المواجهة بالمثل، حيث إن «الاتجاه نحو المركزية قد يزيد من حدة الصراعات بين الجماعات المختلفة، إذ تصبح السلطة محورًا للصراع»(16).

والتناقض الملموس الذي نشهده في ظاهرة التطرف هو ذلك التحول المضاد الذي يطرأ على الفرد المتطرف، ففي يوم كان ينتمي إلى أقصى اليسار، وإذا به يتغير بسرعة فجائية نحو أقصى اليمين. ونفس هذا التغير المفاجئ هو نوع من التحول العنيف الذي يصاحب الشخص المتطرف كسلوك متماثل يمكن أن يتحقق في مصاديق متنوعة.

ومن الناحية الاجتماعية، فإن التغييرات الجذرية التي تجتاح المجتمعات بسرعة كبيرة تخلف وراءها فجوة وتخلفًا ثقافيًا عميقًا يتمثل في عدم استيعاب التغيرات المتلاحقة والتأقلم معها. ولا شك أن عدم استطاعة المجتمعات البشرية إدراك التحولات والانسحاق تحت وطأة المتجددات يدفع نحو العنف كمؤشر على رفض الواقع الجديد.

ومن هنا فإن ظاهرة العنف في المجتمعات الحديثة، كما يحللها آرنولد توينبي، ترجع «إلى انعدام الذاتية وانسحاق الفرد في آلية الحياة الميكانيكية، وأن تنظيمًا اجتماعيًا ذا طبيعة لا شخصية يناقض جوهر الطبيعة الإنسانية»(17). لذلك تكثر الحركات الراديكالية ذات الطابع العنيف في المجتمعات التي لم تستوعب التغييرات الحضارية الكبيرة التي تواجهها.

ويمكن أن نستخلص من مجموعة هذه الدوافع نحو العنف نتيجة أساسية، وهي أن العنف حالة استثنائية تنشأ من ظروف غير طبيعية لا يستطيع الفرد والجماعة فيها مواجهة الأمر بالأسلوب الأفضل، إما بسبب الانفجار على القمع السلطوي أحيانًا، أو العجز أو اليأس أو الإحباط، أو عدم القدرة على استيعاب التغيرات والتكيف معها في أحايين أخرى.

مشروعية العنف

إن أهم الإشكاليات التي ترد على أسلوب العنف في عملية التغيير هي شرعية استخدام العنف، إذ إن هناك من شكك في استخدام العنف واعتبره غير قانوني. فالعنف عنده هو «الاستعمال غير القانوني لوسائل القسر المادي والبدني ابتغاء تحقيق غاية شخصية أو جماعية»(18)، وهو أيضًا «الاستخدام غير المشروع للقوى المادية بأساليب متعددة لإلحاق الأذى بالآخرين والإضرار بالممتلكات، وتتضمن معاني الاغتصاب والعقاب والتدخل في حريات الآخرين»(19).

ويفهم من هذا الكلام شرعية العنف عندما تستخدمه السلطة، وعدم شرعيته عندما تستخدمه المعارضة. ولا شك أن التمييز بين عنف السلطة وعنف الجانب الآخر ينطوي على مغالطة واضحة، فالعنف هو واحد، سواء كان يرتكز على مبررات قانونية فرضتها السلطة الحاكمة بالقوة، أو يرتكز على مبررات عقائدية أو آيديولوجية؛ لأن «الإرهاب أصبح وسيلة مرتبطة بالعنف الأيديولوجي المنظم والموجه ضد العدو الأيديولوجي باعتباره مجرمًا أخلاقيًا وتاريخيًا وأيديولوجيًا، وبالتالي فليس هناك مجال لاعتبار نوعين من الإرهاب متمايزين جوهريًا، واحد قبل تولي السلطة والثاني بعده، إنه في كلتا الحالتين إرهاب واحد مهما اختلفت الأساليب والأجهزة التي تنفذه»(20).

ومهما حاول دعاة العنف أن يضفوا على حركتهم الشرعية والقانونية، يبقى أسلوب العنف، جوهريًا، عملًا لا يستند إلى أسس مقبولة من كل الجهات شرعيًا وأخلاقيًا وفطريًا، ذلك أن «الإرهاب يستمد قوته ويكتسب فعاليته من كونه غير مقنن، أي إنه لا يتقيد بقواعد ثابتة متفق عليها ومعترف بها، ومن هنا فإنه مخيف ومرعب. إن القواعد والقوانين التي يتقيد بها الإرهاب هي كل ما يخدم القضية التي يناضل من أجلها»(21).

إن استناد البعض في استخدام العنف إلى مواجهة عنف الأقوياء لا يمكن أن يضفي الشرعية على أسلوب العنف؛ لأن العنف المضاد قد يكون أقوى وأكثر دمارًا، وبذلك يفقد كل تبريراته الدعائية التي يعتمد عليها.

شرعية العنف في الإسلام

وعلى صعيد مصادر الشرع الإسلامي، فإن المنهج الكلي الذي تصوغه هذه المصادر هو الإشكال في عملية استخدام العنف. ففي القرآن الكريم هناك الكثير من الآيات القرآنية التي تثبت أرجحية السلام والسلم وترك العنف، مثل:

﴿وعباد الرحمن... وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا﴾ (سورة الفرقان: 63-72)، ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ (سورة فصلت: 34)، ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ (سورة البقرة: 208)، ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله﴾ (سورة الأنفال: 61)، ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم﴾ (سورة آل عمران: 159)، ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ (سورة البقرة: 237)، بالإضافة إلى كثير من الآيات التي وردت في هذا الباب. لذلك فإن «الإسلام يدعو إلى السلام ويعتبر السلم هو الأصل، والحرب هي الاضطرار، وإن الجهاد والحرب حكم ثانوي اضطراري، وإن السلم هو الحكم الأولي»(22).

وقد حاول البعض الاستدلال بآيات من القرآن الكريم لإثبات شرعية العنف، كآيات الجهاد والقتال ورد العدوان، والحال أن الجهاد في سبيل الله لا يعني العنف، بالإضافة إلى أن تطبيق حكم الجهاد والقتال في سبيل الله يخضع إلى شروط وقيود كثيرة ذكرتها أبواب الفقه الموسعة. أولها اتباع السلم: ﴿فإن اعتزلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلًا﴾ (سورة النساء: 90).

وكثير من آيات القتال وردت في موارد خاصة في حروب الرسول (صلى الله عليه وآله) مع المشركين بعد أن أذن الله تعالى له بالقتال: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير﴾ (سورة الأنبياء: 38)، لذلك لا يمكن الأخذ بها كدليل على جواز العنف؛ لأنها من الموارد التي يتم فيها التعرض لدماء الناس وأموالهم وأعراضهم.

وعلى فرض التسليم بدلالتها، فإن الإشكال يبقى في كون هذا المصداق من المصاديق التي ينطبق عليها مفهوم الآية القرآنية، كما ذكر التاريخ ذلك في قضية الخوارج الذين رفعوا شعار «لا حكم إلا لله»، تمسكًا بظواهر بعض الآيات من دون التوغل إلى مضامينها وأعماقها.

لذلك نرى أن «الإسلام يجعل للحرب قيودًا وشروطًا، مع أنه أوجب الجهاد الابتدائي أحيانًا والدفاعي أحيانًا أخرى، وإنما جعل هذه الشروط والقيود الكثيرة حتى لا تكون الحرب إلا بقدر الضرورة الشديدة، ثم إذا انتهت الحرب يعفو الإسلام ويغفر ويطلق سراح المجرمين مهما وجد إلى ذلك سبيلًا»(23).

أضف إلى ذلك أن العنف يعد من الأمور الخطيرة التي تتعرض فيها الأنفس والأموال والأعراض لخطر الانتهاك والاستباحة. ففي الآية القرآنية التي هي في مقام تشريع القصاص والرد بالمثل، أمر تعالى بالتقوى والاحتياط: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين﴾ (سورة البقرة: 194)، لأن استعمال العنف أمر خطير حتى في الموارد التي يمتلك فيها الفرد حق رد العنف، إذ إنه قد يؤدي إلى الطغيان والتجاوز الذي لا يمكن لجمه. وقد قال تعالى: ﴿من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا﴾ (سورة المائدة: 32).

أصالة اللاعنف

إن اللاعنف والسلم هو الأصل الذي يجب أن يُعمل به، والعنف هو استثناء يحتاج فعله إلى إقامة الدليل. ومن هنا فقد ذم الإسلام الحرب؛ لأنها «في ذاتها قبيحة لما فيها من قتل النفوس والتخريب والتدمير، وقد قال سبحانه مؤيدًا لذلك: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾، فإن الظاهر من هذه الآية أن القتال لو كان طبيعيًا لما قال سبحانه: ﴿كره لكم﴾».

فالحرب ظاهرة اجتماعية تمليها الغرائز الفاسدة في العديد من الأحيان، وليست أمرًا طبيعيًا. ولذا نجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يقدم على حرب واحدة، وإنما كان يحارب دفاعًا عن النفس، وكان (صلى الله عليه وآله) لا يلجأ إلى الحرب الدفاعية أيضًا إلا بعد فقدان الخيارات التي كانت عبارة عن الأمور التالية: الحياد، العهد أو معاهدة عدم الاعتداء، الإسلام، فإذا أسلم الطرف حقن ماله ودمه، الجزية(24).

وسيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) هي أفضل مبين لدلالة الآيات القرآنية، فقد كانت حركة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) التغييرية مبنية على أساس السلم واللاعنف. فقد عفا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن قاتل عمه وحشي، وعفا عن قادة المشركين في فتح مكة، بالإضافة إلى كثير من المواقف العظيمة التي عبرت عن المكنون السامي والسلمي الذي يحمله في رسالته الكونية.

يقول الدكتور محمد حميد الله في كتابه «محمد»: «إن محمدًا (صلى الله عليه وآله)، مع أنه استولى على أكثر من مليون ميل مربع، مما يعادل كل أوروبا باستثناء روسيا، ومع أنه كان يسكن هذه المنطقة ملايين من البشر، لم يُقتل في كل حروبه من المسلمين إلا مائة وخمسون مسلمًا»، ويضيف: «إن هذا العدد يعادل قتيلًا واحدًا في كل شهر تقريبًا»(25).

إن سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) وأقواله الشريفة يمكن أن ترفدنا بالكثير من الرؤى التي توضح لنا الطريق في مسألة شرعية العنف وعدم شرعيته. فعن النبي (صلى الله عليه وآله) في حديث المناهي قال: «ومن لطم خد امرئ مسلم أو وجهه بدد الله عظامه يوم القيامة، وحشر مغلولًا حتى يدخل جهنم إلا أن يتوب»(26).

وعن علي (ع) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال فيما عهد إليه: «وإياك والتسرع إلى سفك الدماء لغير حلها، فإنه ليس أعظم من ذلك تبعة»، وقال (صلى الله عليه وآله) أيضًا: «من قتل رجلًا من أهل الذمة حرم الله عليه الجنة التي توجد ريحها مسيرة اثني عشر عامًا».

وفي حديث قال علي (ع) لعسكره قبل لقاء العدو بصفين: «لا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم، فإنكم بحمد الله على حجة، وترككم إياهم حتى يبدؤوكم حجة أخرى لكم عليهم»(27).

ومن أقواله (صلى الله عليه وآله) في مدح السلم والرفق وذم العنف: «إن الرفق لم يوضع على شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه... الرفق رأس الحكمة... إن الله ليبغض المؤمن الضعيف الذي لا رفق له... إن السلام اسم من أسماء الله فافشوه بينكم»(28).

ويقول (صلى الله عليه وآله): «يا علي، صفات المؤمن: عظيمًا حلمه، جميل المنازعة، أوسع الناس صدرًا، أذلهم نفسًا... لا يؤذي من يؤذيه... وأصلد من الصلد... لين الجانب، طويل الصمت، حليمًا إذا جهل عليه، صبورًا على من أساء عليه... حليمًا رفيقًا، ذا قوة في لين، وعزمه في يقين... إذا قدر عفا... لسانه لا يغرق في بغضه... يعطف على أخيه بزلته...»(29).

ومن أقوال أمير المؤمنين (ع) في مدح اللاعنف وذم العنف: «رأس الجهل الخرق، ليكن شيمتك الرفق، فمن كثر خرقه قل عقله. يا همام، المؤمن هو سهل الخليقة، لين العريكة... نفسه أصلب من الصلد... لا جشع ولا هلع ولا عنف ولا صلف... وصول في غير عنف...»(30).

ويقول المرجع الديني الإمام الشيرازي في كلامه المفصل حول السلام في الإسلام ومنهاج الحركة الإسلامية في عملية التغيير: «الواجب أن يكون شعار الحركة السلام قولًا وفعلًا، وفي كل موقع ومع كل الناس»(31).

العنف يضر بالاستراتيجية

وتبرز هنا إشكالية أخرى حول العنف، وهي أن الجماعة التي تتخذ من العنف وسيلة في عملية التغيير لا تمثل إلا مجموعة أفرادها أو قسمًا من طبقات المجتمع. وبما أن العنف قد يؤدي إلى دمار الممتلكات وقتل الأنفس، إضافة إلى العنف المضاد الذي يمكن أن ترد به السلطات على عنف الجماعات، فإن الإضرار بطبقات وفئات من الأمة قد يشكك في شرعية العنف، وبالتالي شرعية الجماعة التي تستخدمه.

فالجماعة التي تعتبر نفسها ضمير الأمة وممثلة الشعب تفقد شرعيتها عندما تضر بمصالحه وحقوقه. فعن الرسول (صلى الله عليه وآله): «لا يحل دم امرئ ولا ماله إلا بطيبة نفسه»(32).

وعلى فرض أن الجماعة تستخدم العنف باعتباره حقًا مشروعًا لها في الدفاع عن مصالحها، فإن العنف قد يحقق لها مصالحها على الأمد القصير، ولكنه قد يضر بمصالحها ومصالح الآخرين إضرارًا كبيرًا على المدى البعيد. وفي هذا الصدد يقول الإمام الشيرازي: «لا يجوز التعسف في استعمال الحق إذا كان التعسف يصل إلى الضرر الكثير في حق نفسه، ومطلق الضرر في حق الغير»(33).

وقد حاول البعض أن يشكك في آلية العنف عندما شكك في أخلاقية هذا الأسلوب، خاصة أن بعض دعاة العنف يحملون رسالة تغييرية تحمل في طياتها مبادئ أخلاقية ومثلًا إنسانية ترفع لواء الخير والأخلاق. وهذا هو الذي جعل البعض يعتقد بوجود تناقض واضح بين آلية العنف وأهداف الجماعات التي تعمل بهذه الآلية وتدعو إليها، مما يشكك في مصداقيتها، وبالتالي في شرعية هذه الآلية.

فالجماعة أو الحركة التي تهدف إلى التغيير تفقد شرعيتها عندما تستخدم الأسلوب نفسه الذي تستخدمه السلطة في طغيانها، مهما كان التبرير الأخلاقي الذي تدعيه، ذلك «أن التبرير الأخلاقي للإرهاب بالاستناد إلى الغاية أو الهدف، مهما كان هذا الأخير نبيلًا شرعيًا، يعني أن نجعل من الأخلاق مجرد مجاملة لنزاعاتنا أو قبولًا لآيديولوجية معينة، أي عذرًا للتغييرات اللانهائية والمتناقضة في نشاط مجموعة بشرية أو طبقة أو حزب أو دولة»(34).

إن التشكيك في شرعية العنف دينيًا وعرفيًا وأخلاقيًا يرجع إلى محور أساسي، وهو أن العنف لا يتحدد بحدود ولا يقف عند مستوى معين، بل قد يتجاوز كل الخطوط الحمراء الشرعية والأخلاقية والقانونية التي رسمها القائمون به، خاصة إذا بدأ التصعيد المتفجر مع سلطات قائمة على القمع.

وعندما يتجاوز العنف تلك الحدود ويقع في دوامات من الدم المتبادل والمتصاعد، تفقد الجماعة مبرراتها الشرعية والأخلاقية والشعبية التي تناضل من أجلها.

ومن كل هذا نستنتج الحقيقة الأساسية التي أفرزها تاريخ العنف، وهي أن العنف في جوهره متصاعد بقوة وسرعة ودموية، بحيث يتجاوز الأعراف الدينية والقانونية والأخلاقية أحيانًا، ويصعب السيطرة عليه، مما يبطل هدفية العمل ومشروعية الحركة.

العنف بين الوسيلة والغاية

تتخذ بعض الجماعات أو الحركات من العنف وسيلة للوصول إلى التغيير السياسي أو الاجتماعي أو الحضاري. وهنا إشكاليات يطرحها البعض، تتساءل عن مدى قدرة هذه الوسيلة على تحقيق الغاية المنشودة، وعن فعالية هذه الوسيلة في تحقيق هذه الغاية على المستوى البعيد، وعن ما يمكن أن ينتجه العنف من آثار عكسية تلحق أضرارًا كبيرة بالغاية، إن لم تلغها في معظم الأحيان. والسؤال المطروح هنا هو: هل تبرر الغاية استخدام العنف لتحقيقها؟

مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة» مبدأ قائم على مقولة تنظر إلى انتهاز الفرص لتحقيق الغايات بأي وسيلة كانت، حتى لو كانت هذه الوسيلة تتناقض مع الغاية المنشودة، وبهذا المنهج تصبح الوسيلة أهم من الغاية.

وقد تعرضت هذه المقولة إلى الكثير من الانتقادات الدينية والأخلاقية. يقول الإمام الشيرازي: «الغاية تبرر الوسيلة لا أصل لها في الإسلام. نعم، قاعدة الأهم والمهم قاعدة إسلامية، وهي قاعدة عقلائية يستعملها العقلاء، فإنه كلما دار الأمر بين ضررين قدموا الأخف على الأكثر، وذلك بخلاف "الغاية تبرر الوسيلة"، فإنها تقدم الغاية مهما كلف الأمر، وهذه أشبه بالانتهازية والمصلحية والنفعية، وهي لا مجال لها في الإسلام»(35). ومن الواضح أن العنف ضرره أكبر بكثير من اللاعنف.

ويرفض علم السياسة هذا، باعتبار أن الوسيلة يجب أن تتطابق مع الغاية وتخدمها، لا العكس، حيث «إن اختيار وسيلة دون أخرى لتحقيق غاية سياسية يؤثر تأثيرًا جوهريًا على الغاية المنشودة نفسها، ويغير من محتواها نفسه، إذ ليس من الممكن تحقيق مجتمع الحرية والعدالة باستعمال وسائل قمعية وظالمة، وهذا بدوره يؤدي إلى رفض نظرية "الغاية تبرر الوسيلة"؛ لأن اختيار الوسيلة لا يمكن أن ينفصل عن اختيار الغاية، لأن الترابط عضوي بينهما»(36).

ولا يقف الإشكال في العنف من ناحية تبرير الوسيلة وخطأ هذا المبدأ، بل يتعدى الإشكال إلى خطورة العنف كوسيلة وسلاح ذي حدين يمكن أن ينقلب على صاحبه ويقضي عليه. إذ إن العنف هو بحد ذاته من الوسائل الخطيرة التي يمكن أن تقضي على الغاية وتحولها إلى هامش في طريق الحركة، لأن «جوهر فعل العنف نفسه إنما تسيره مقولة الغاية والوسيلة، ولكن الغاية محاطة بخطر أن تتجاوزها الوسيلة التي تبررها والتي لا يمكن الوصول إليها من دونها، ومن الواضح أن الوسائل المستخدمة للوصول إلى غايات أساسية ترتدي، في أغلب الأحيان، أهمية بالنسبة إلى عالم المستقبل تفوق الأهمية التي ترتديها الغايات المنشودة»(37).

وتنبع خطورة العنف من كونه يتجاوز كل الوسائل الأخرى، ويصبح الوسيلة الوحيدة التي تسيطر على السلوك الحركي، ومن ثم يستنفد العنف الغاية ويحتويها ليصبح هو الهدف الأول والأخير، ذلك أن «خطر العنف، حتى ولو تحرك بشكل واع ضمن إطار غير متطرف يطال أهداف المدى القصير، سيكمن على الدوام في أن واقع الوسيلة تغلب الغاية، فإن تحقق الغايات بشكل سريع لن تكون النتيجة فقط إلحاق الهزيمة بالتحرك كله، كذلك إدخال ممارسة العنف في صلب الجسم السياسي كله»(38).

والأخطر من ذلك هو ذلك التحول الدراماتيكي الذي يمكن أن يحققه العنف عندما يعجز، كوسيلة أساسية، عن الوصول إلى الغاية المنشودة، حيث تتحول بالتدريج أدوات العنف إلى غايات أساسية للتدمير الذاتي والخارجي، فتفقد الجماعة كل قدرة على إعادة التوازن الداخلي والحفاظ على التماسك، وبالتالي تفقد سلطتها الداخلية وشرعيتها الشعبية.

ومن هنا «ندرك أن العنف نفسه يقود إلى العجز، فحين لا يعود العنف مدعومًا من قبل السلطة نصبح أمام ذلك الانقلاب المعروف حين تصبح الوسائل غاية ذاتها، عند ذلك تصبح الغاية محددة من قبل الوسائل ـ وسائل التدمير ـ وتكون النتيجة أن هذه الغاية تؤدي إلى تدمير كل سلطة»(39).

وعندما يصبح العنف الذي كان وسيلة هو المحور الوجودي المحرك للجماعة، تفقد الأخيرة مقوماتها الذاتية، وبالتالي تفقد الأسس الشرعية والوجودية التي قامت عليها.

إن الدافع الرئيسي لكثير من الجماعات في اتخاذ العنف كوسيلة لعملية التغيير هو إحداث تغيير سياسي سريع يضمن للجماعة الوصول إلى السلطة، ومن ثم تحقيق غاياتها السياسية أو الدينية أو الآيديولوجية.

وهذا الأمر ينطوي على ثغرات جوهرية تقيض مستوى الأداء الذي اجتهدت فيه الحركة، حتى ولو كان ناجحًا على مستوى التغيير الآني، لكنه سوف ينقل العنف إلى المراحل البعدية وإحداث تغيير قسري تفرضه على الآخرين لتحقيق غاياتها، الأمر الذي لا تستطيع الطبيعة الإنسانية تحمله، وحينها تفشل الحركة في تحقيق غاياتها المنشودة.

لذلك تفشل أغلب الثورات التي تصل إلى السلطة بالعنف في ترويج مبادئها شعبيًا، فتتخذ العنف وسيلة مرة أخرى لفرض مبادئها قسرًا بعد أن استلذت بالأسلوب الذي حقق لها إحدى غاياتها.

آيديولوجيا العنف

لكي تتم معرفة مدى فعالية آلية العنف في إحداث التغيير الجذري الناجع، لا بد من دراسة خصائص العنف كسلوك كلي لا يتجزأ، له خاصية شمولية تستشري في جميع أبعاد الكيان الإنساني.

فالعنف ليس مجرد أداة منفصلة يمكن أن تستخدم كتكتيك مؤقت في بعض الأحيان، بل ينطوي الأمر على أبعاد أخرى مختلفة تظهر بأشكال متنوعة، أي إن العنف لا يكتفي بأن يبقى أداة مؤقتة تستعمل في ظروف استثنائية خاصة، بل يتحول إلى نظام ثقافي عام يستحوذ على الأجزاء المختلفة التي تشكل البنيان التنظيمي.

وبهذا يصبح العنف سلوكًا دائمًا يدعمه نظام ثقافي ذاتي تحركه فكرة عقائدية مترسخة في كيانه. وبعبارة موجزة، فإن العنف يتغلغل في أعماق النفس البشرية ليبني كيانه الخاص، ويصبح هو الفكرة التي تحرك الإنسان، بحيث يتفرع منها سلوكه وثقافته. وإذا تغلغل العنف واستشرى فإنه يفرض خصائصه الذاتية على جميع أجزاء الكيان الحركي.

ومن هنا تنشأ مجموعة من الظواهر تعبر عن تكرس العنف وثباته كسلوك ثقافي متجذر، كالتطرف والتعصب والاستبداد والتمحور الذي ينتهي إلى تقديس الفكرة الذاتية وإلغاء الآخر الذي يمثل الرأي الآخر. وحينئذ «تمثل الآيديولوجيا في ما تمثل حالة التمحور الذاتي، أي تلك النزعة التي يتراءى فيها لا صوابية أية مقتضيات مخالفة»(40).

وهذا العنف الذاتي الذي أصبح سلوكًا ذا أشكال متعددة يفرض نفسه على الآخرين تعبيرًا عن التقديس الأعمى لهذه الفكرة، ثم يتطور فيتحول إلى «إرادة طاغية على صعيد التعايش الدولي، الأمر الذي يقود إلى حروب القهر الحضاري المتمثلة بالغزوات العنصرية أو الدينية، ذلك أن الآيديولوجيا بسبب هذا العنصر اللاعقلائي، أي التمحور الذاتي، تلقى تربة خصبة لدى الجماعات الهامشية المنغلقة»(41).

إن آيديولوجيا العنف تتجه إلى تشكيل حالة من التقديس الجامح لفكرة العنف والإيمان الذاتي المطلق بمستخدميه، مما يحول المجتمع بأكمله إلى عدو وهمي لهذه الجماعة، وهذا يعني «تفكيك الوحدة الاجتماعية، وما الحروب الأهلية سوى أحد تجليات هذه العاهة الماثلة في الآيديولوجيا، أعني التمحور الذاتي»(42).

فعندما يتغلغل العنف في أعماق وشرايين الجماعة، يسيطر عليها سلوكيًا وثقافيًا، بحيث لا يبقى مجال للمنطقية والاعتدال؛ لأن العنف في جوهره وماهيته يعتمد على أسلوب الإكراه والقسر والاستبداد، فالعنف يسير باتجاه كونه حتميًا غير قابل للتغيير، ومقدسًا لا يمكن المناقشة فيه.

ولذلك فإن آيديولوجيا العنف هذه، القائمة على الحتمية والتقديس المطلقين، تجر إلى إفراز مجموعة من أنماط السلوك والقيم تعبر عن مكنون العنف وتأثيراته العميقة.

ذلك أن الجماعة التي تمارس العنف وتنغمس فيه إلى حد تقديسه لا ترى من نفسها إلا الوجود الأحق والأفضل، إذ لا مجال مع سيطرة وتحكم ثقافة العنف إلى وجود آخر يحمل توجهات أخرى. فمع السيطرة المطلقة لآيديولوجية العنف وافتقاد التعدد والتنوع تتوسع دوائر الانعزال والاستبداد والانشقاق والقمع.

والحقيقة التي بينتها التجارب التي مرت بها الحركات ذات الطابع العنيف هي «التجمد وتنظيم أنفسهم في منظمات صارمة لا تطيق التنوع في صفوفها، وهذا البعد العنيف عن التسامح واحتمال التنوع والاختلاف في الاجتهاد هو السبب المزمن لوقوع الانشقاقات داخل الحركات الثورية»(43).

ومع تداوم آيديولوجيا العنف واستمرارها في إفراز تلك السلبيات، ينمو جسم العنف وتكبر دواماته بشكل تصاعدي. ومع السيطرة المطلقة للعنف تختفي دعوات العقل والإصلاح وتبرز عناصر الفساد والاستغلال.

إن آيديولوجيا العنف يمكن لها أن تحدث تغييرًا سياسيًا على مستوى السلطة، أو تفجر صراعًا دمويًا بين المعارضة والسلطة، ولكن هل هو هذا التغيير المطلوب الذي يحقق الإرهاصات الحضارية على المستوى البعيد المدى؟

ولكي نستطيع أن نستطلع الإجابة ونفهم التأثيرات السلبية للعنف كأسلوب وآيديولوجيا، نذكر هنا مؤشرًا قد يعطينا بعض الإجابات: فقد «تبنت جماعة المسلمين ـ التكفير والهجرة ـ الدعوة إلى الله وإقامة الدولة الإسلامية عن طريق الاعتزال والهجرة، ثم استخدام العنف، وتبنت مقولات جاهلية المجتمعات القائمة، بتغييرها، إن من لا يدخل جماعة المسلمين فهو كافر إذا كان قد بلغه الأمر ولم يصدع به. واختفت الجماعة بعد إعدام قائدها شكري مصطفى وأربعة من رفاقه إثر اختطافها وقتلها الشيخ حسين الذهبي، وزير الأوقاف، عام 1977. وحين بدت بوادر الانشقاق على الجماعة تلوح في الأفق تصدت لها الجماعة بعنف شديد أدى إلى إراقة الدماء، واستخدمت إمكاناتها في مطاردة المنشقين والمناوئين لها في كافة أرجاء البلاد»(44).

آثار العنف

إن تتبع المردودات التي يولدها العنف عبر التقصي الميداني لمخلفاته والتفحص العملي لآثاره الجانبية يوفر مجالًا عمليًا أكبر لفهم آلية العنف ومدى فاعليته في إحداث التغيير الواقعي، بل ويعطينا أيضًا استنتاجات تحليلية توفر الدعم اللازم لقراءة شرعيته وعدمها، وقراءة أبعاده الفكرية وجذورها.

ومشكلة بعض دعاة العنف أنهم لا يقرأون ما وراء العنف ولا يتتبعون آثاره المستقبلية، وهذا يعني أن العنف عندهم هو الغاية بذاتها الساكنة في اللاوعي، مع غض النظر عن كونه وسيلة لها المخلفات السلبية التي يجب حينئذ استبدالها بوسيلة أخرى. ولكن استقصاء آثار العنف يمكن أن يضفي بعض الواقعية، ومن ثم يعطي القدرة على فهم منهجية العنف فهمًا تحليليًا موضوعيًا.

الآثار البعيدة المدى

تهدف الجماعة التي تستخدم أسلوب العنف إلى إيجاد تغيير سياسي أو اجتماعي سريع، وهذا يرجع إلى التذمر الشديد الذي تكنه هذه الجماعة للأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية القائمة، ويدفعها إلى ذلك إما عدم رضاها بأسلوب عمل السلطة، أو السعي للانتقام من سلطة مستبدة قائمة على القمع والاضطهاد.

وفي كلتا الحالتين، فإن العنف هنا وسيلة لإيجاد تغيير فوري يخدم أهداف الجماعة على المستوى القصير. وبعبارة أخرى، فإن «العنف الذي هو أدواتي في طبيعته يبدو واقعيًا بالنظر إلى أنه يكون فعالًا في الوصول إلى الغاية التي من شأنها أن تبرره، وبما أننا حين نمارس فعلًا ما لا نكون عارفين مسبقًا وعن يقين ما الذي ستكون عليه نتيجة ما نفعل، يمكن للعنف أن يبقى عقلانيًا فقط في متابعته لأهداف على المدى القصير. إن تكتيكات العنف والشغب تكون ذات جدوى بالنسبة إلى أهداف المدى القصير، بينما يبدو العنف غير مجد بالنسبة إلى أهداف المدى الطويل»(45).

لذلك لا يستطيع العنف إلا أن يحقق نتائج وقتية يتوهم فيها أصحاب العنف أنهم يحققون كل طموحاتهم، ولكن عندما يكتشفون أنهم لا يحققون شيئًا تسيطر عليهم حالات اليأس والإحباط والجمود والانعزال الأكثر.

فطبيعة العنف وتشكيلته الذاتية تحمل في بذورها الانفعالية والسعي السريع لإنجاز شيء ما قد يتجاوز السنن التاريخية التي يجب اجتيازها عبر مراحل طويلة وبعقلانية. لذلك نرى «إن النتائج التي يسفر عنها عمل البشر تتبدى دائمًا منفلتة من رقابة من يقومون بالعمل، فإن العنف يحمل في ذاته عنصرًا إضافيًا تعسفيًا»(46).

ولكن المؤثرات التي تضفيها حالات العنف تغري باستخدام العنف لإيجاد حل سريع للمشكلات والأزمات، وحينئذ «إذا نجح العنف أحيانًا في حل المشكلات الاجتماعية والسياسية المطروحة، وذلك بالنظر إلى فعاليته الثورية، فهذا لا يعني أنه قد نجح بشكل نهائي، إذ لا يمكنه بالنتيجة إلا أن يزيد من حدة الظروف والأوضاع العامة، ولا يلبث مفعوله الذي يعتبر وبشكل خاطئ كنجاح سياسي أن يسقط قناعه ويكشف عن وجهه الحقيقي»(47).

وقد أثبتت الحركة التاريخية للأمم والحضارات أن الأفكار والثقافات تتشكل في إطار زمني طويل، بحيث تنمو ضمن عمر حركي وتاريخي طويل لا يقاس بعمر جيل أو جيلين من عمر البشر، بل هو أبعد من ذلك، مما يصعب تغييره فورًا، وإنما التغيير يتم بجرعات طويلة المدى هادئة التزريق. ومن هنا فإن الدراسات الاجتماعية أثبتت أن التغيير السريع والعنيف لا يزيد الأزمات والمشكلات إلا سوءًا.

التغلغل البنيوي

في كثير من الحالات لا ينتهي العنف عند حد كونه عملًا استثنائيًا وتكتيكيًا ينتهي بتحقيق الغاية المنشودة، بل يتكامل بنيويًا، بحيث يبدأ ببناء مكوناته الثقافية والنفسية الخاصة، فيصبح حالة طبيعية تتعايش معها الطبيعة الإنسانية، مثل الجسم الذي يصبح فيه المرض أحد أجزائه بعد أن كان أمرًا عرضيًا وغريبًا.

وهذا هو من أكثر الآثار تعقيدًا التي يتركها العنف في البناء الاجتماعي، ولا شك أن أجيال الحروب هي مثال صارخ على ذلك. فالعنف لا تتمثل خطورته في كونه فعلًا قائمًا على التعسف والإرهاب فقط، بل يصبح أكثر خطورة عندما يتحول إلى أحد الأنماط الطبيعية في السلوك الاجتماعي العام.

لذلك «يولد العنف السياسي في البنيان وينمو بشكل متدرج ومتواصل إلى مستوى أعلى بعد أن يجتاز مرحلة انتقالية متوسطة»(48).

وعندما يتجذر العنف في البنية الاجتماعية يصبح بالإمكان أن يتفجر في أي وقت تتوفر له الظروف، «كما يمكن أن يتصاعد العنف بفظاظة وبشكل متقطع دون المرور بمستويات متوسطة، ويمكن للعنف السياسي أن يقفز مباشرة بتصعيد فجائي دون إنذار متدرج، فيشمل جميع المستويات. ففي عام 1914م انفجرت الحرب العالمية الأولى دون أن تسبقها نزاعات تحتية صغيرة منذرة»(49).

هذا لأن العنف تختمر فيه بذور الانفجار في أي وقت عندما يكون مترسخًا في البنية الاجتماعية التحتية، بحيث ينشر أساليبه وأدواته على مختلف مستويات المجتمع وطبقاته، وخاصة على المستوى السياسي في القمة. عندها يصبح العنف أسلوبًا منفردًا في معالجة الصراعات والنزاعات، إذ إن العنف ليس إلا ظاهرة تمد «جذورها في أسس الوجود السياسي، وتستمد ديناميتها من المعطيات الرئيسية والجوهرية التي يقوم عليها كل مجتمع يدعى سياسيًا. إن الإرهاب ليس فعلًا منعزلًا وعرضيًا، إنه نسق عنف ينزل من رأس البناء الاجتماعي والسياسي كما يطلع من قاعدته»(50).

أما الجماعة التي تستخدم العنف بحيث يكون أسلوبها الرئيس، فإن الأمر فيها أوضح، إذ يخترق العنف بنيتها ويصبح متسلطًا على كافة الأنشطة، من أدبياتها وأفكارها وعلاقاتها السياسية وتعاملها الاجتماعي، إلى فهمها ورؤيتها للواقع الخارجي.

فيكون العنف اللغة التي تخاطب بها الجماعة العالم الخارجي، ويكون العنف هو المنظار الذي يرسم لهذه الجماعة حقائقها ورؤاها الخاصة بها. وهكذا فإن الجماعة التي لا تتصرف إلا ضمن إيحاءاتها الذاتية النابعة من بنيتها، يكون من الطبيعي أن يكون العنف هو اللغة التي يتخاطب بها أفراد الجماعة فيما بينهم، لذلك يكثر التصدع والانشقاق في هكذا جماعات.

ولا شك أن التأثير البنيوي الذي يخلفه العنف من الخطورة بحيث يجعل المجتمع كله على حافة الانفجار في أي وقت. ومشكلة استخدام العنف كأداة تغييرية، كاستثناء في بعض الأوقات، هي أنه من يضمن ألا يبقى العنف جاثمًا في الأوكار منتظرًا فريسته، فقد يترسخ الاستثناء ويصبح هو القاعدة.

الرأي العام

تحاول بعض الجماعات أن تجعل من العنف وسيلة لإسماع الرأي العام قضيتها وإثارة مظلوميتها، ذلك أن العنف يحمل في رسالته طابعًا مثيرًا وجالبًا للأنظار، بعد أن يعتقد مستخدموه أنهم لا يستطيعون إيصال أصواتهم إلا بهذا الأسلوب.

ومن هنا فإن العنف «لا يعزز من شأن القضايا ولا من شأن التاريخ ولا من شأن الثورات، ولكن بإمكانه أن يفيد بإضفاء طابع درامي على المطالب وإيصالها إلى الرأي العام لافتًا نظره إليها»(51).

هذا من جهة، ومن جهة أخرى يهدف أسلوب العنف إلى زعزعة السلطة عبر زرع الرعب والخوف، لذلك فإن «الفعل الإرهابي يعد رسالة موجهة إلى الآخرين، والهدف الأساسي منه إحداث أثر نفسي سلبي يتمثل في حالة الخوف والقلق والرعب والتوتر لدى المستهدفين، حيث يمكن في إطارها التأثير على توجهاتهم وسياساتهم»(52).

ولكن التساؤل الذي يتردد في الأذهان هو: ما الأثر الذي يتركه العنف في الرأي العام؟ هل هو إيجابي أم سلبي؟ وهذا الأمر يعتمد على معرفة ماهية الرأي العام والعناصر التي يتشكل منها.

فالرأي العام هو «اتجاه أغلبية الناس في مجتمع ما اتجاهًا موحدًا إزاء القضايا التي تؤثر في المجتمع أو تهمه، ومن شأن الرأي العام، إذا ما عبر عن نفسه، أن يناصر أو يخذل قضية ما، وكثيرًا ما يكون قوة موجهة للسلطات الحاكمة، ومن أدوات التأثير في الرأي العام وحدة الثقافة والتوجيه والعلاقات العامة ووسائل الإعلام المختلفة»(53).

وبما أن العنف له خاصية القسوة والرعب، فإنه يترك في أغلب الأحيان أثرًا سلبيًا في نفوس الناس؛ لأن إثارة ظلامة القضية ومظلومية القائمين به عبر العنف لا يمكن أن تعطي انطباعًا إيجابيًا بقدر ما تعطي انطباعًا سلبيًا عن القضية التي تحاول الجماعة أن توجه الرأي العام نحوها، وإن التفجير الصارخ بهذا الأسلوب الحدي قد يقود الرأي العام بالتأييد إلى المعسكر الآخر.

وهذا يعني أن آلية الرأي العام لا تتجاوب مع الأساليب التي تنطوي على الأفعال الخشنة والدامية والصدامية، إذ إن «كل فعل عنف يترك أثر خوف وفزع في نفوس الناس، ويكون عميقًا بنسبة ما يكون العمل مثيرًا أو شنيعًا، وبنسبة ما تكون الضحية ذات وزن اجتماعي أو مكانة سياسية مرموقة، وتتحول انعكاسات هذا العمل إلى حالة عنف شائعة تطال عددًا كبيرًا من الأفراد الذين يجدون أنفسهم معنيين بها»(54).

وقد يتحول العنف إلى سلاح ضد مستخدميه عندما يستطيع المعسكر الآخر أن يستثير الرأي العام ضده بتأثيرات وسائل الإعلام التي يمتلكها؛ لأن ديناميكية الرأي العام لا تتحرك فقط في إطار إثارة القضية بشكل عنيف، وإنما يعتمد استثمار قوة الرأي العام على التكامل الناجح مع وسائل الإعلام.

وهذا الأمر لا يتناسق عادة مع تكتيك العنف الذي يفتقد إلى الدعم الإعلامي الذي تمتلك وسائله السلطات. أضف إلى ذلك أن طبيعة العنف، الذي يعتمد على العمل السري الغامض والمجهول، تتناقض مع طبيعة وسائل الإعلام وعلنيتها وتعاملها مع الواضح والمعلن.

وعلى فرض حياد وسائل الإعلام في بعض المناطق، فإنها لا تتناول قضايا العنف إلا ضمن إطار الخبر فقط، مع عدم ذكر خلفياته وجوانبه. وهذا يمكن أن يضر بالقضية أكثر بتعريضها للتشويه الذي ترسمه وسائل الإعلام الموجهة أو الخاضعة لتأثيرات مراكز الضغط المالي والسياسي.

وقد استفاد اليهود في تشويه القضية الفلسطينية من عمليات العنف التي كانت المنظمات الفلسطينية تقوم بها، عبر تأليب الرأي العام ضد الفلسطينيين واستدرار المظلومية لصالحهم، وبالتالي فإن حوادث العنف لم تخدم القضية الفلسطينية بقدر ما خدمت الجانب الآخر، عندما كان للرأي العام رأي آخر لا يتفق مع أصحاب القضية لضراوة العنف وآثاره السلبية.

نعم، كل ما يستطيع العنف أن يفعله هنا هو أن يثير الرعب والفزع، ولكنه لا يستطيع أن يروج للمبادئ والقيم؛ لأن القيم والمبادئ السامية التي ترنو إليها كل نفس إنسانية لا تترعرع وتزهر إلا في ضوء الأمن والسلام. ولا يمكن استقطاب الرأي العام إلا عندما تتوغل المبادئ والقيم إلى أعماق الناس، معبرة عن ظلامة القضية ورسالتها السلمية. وفي الآية القرآنية: ﴿ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ (آل عمران: 159).

العنف المضاد

تعتمد آلية العنف، كما قلنا سابقًا، على إثارة الخوف والرعب لدى المعسكر الآخر عادة، ومن ثم تفتيته والقضاء عليه. ولكن الرعب الذي يثيره العنف لا يحقق الأهداف المرجوة غالبًا؛ لأنه لا يقضي عليه، بل يستفزه نحو اتخاذ رد فعل أعنف يدافع فيه عن كيانه؛ لأنه صراع بين البقاء والزوال، خصوصًا أن الجانب الآخر قد يملك إمكانات أكبر تعطيه القدرة على القضاء عليهم.

بالإضافة إلى أن السلطات تستفيد من عنف الجماعات في تحشيد الشرعية والقانونية لقمعها والقضاء عليها. وما أكثر الجماعات التي تحطمت تحت مطرقة العنف الذي تحول إلى سلاح ضدها، استثمره الطرف الآخر لتصفيتها.

وعندما يتحول الصراع السياسي والاجتماعي إلى لعبة بين السلطة والمعارضة، فإن هذا الأمر يقود نحو تصعيد عنيف لا يمكن إيقافه بسهولة؛ لأن العنف يثير قسوة الانتقام على أرض يسيطر عليها الرعب ولا تعرف للثقة والسلام معنى.

فالعنف «وجه مخدر سريع الزوال يحتوي على بذور تفجر النظام السياسي والاجتماعي في أقرب فرصة ممكنة، فالعنف يدعو إلى العنف المضاد»(55).

وفي بعض الأحيان يعمد النظام الحاكم إلى إثارة العنف لاصطياد المعارضة في لعبة العنف المضاد، من أجل القضاء عليها وتصفيتها بصورة قانونية، أو تشويه صورتها ومبادئها بعد أن تلطخها بالدماء.

وهناك «ثمة مقولة شائعة مفادها أن العنف يولد العنف، فأي نظام سياسي لا يمكن أن يتهاون كثيرًا بشأن أعمال العنف غير الرسمية التي تشكل تحديًا له، وفي ظل هذه الحالة يكون النظام مستعدًا للانخراط في ممارسة العنف الرسمي على نطاق واسع»(56).

إن أكبر خسارة تتكبدها الجماعات ذات الطابع العنيف هي دخولها في لعبة العنف والعنف المضاد المتصاعد بوتيرة حادة، مما يعجل بانتهائها وتصفية وجودها التنظيمي والسياسي والرسمي.

لذلك فقدت إحدى الحركات قائدها المؤسس في عملية عنف مضاد قام بها النظام الحاكم ردًا على عمليات اغتيال قام بها الجهاز السري الخاص بها. لذلك فإن «الضربات المتتالية التي تعرض لها النظام الخاص بسبب عمليات العنف التي قام بها من قبل السلطة السياسية في مراحل تاريخية مختلفة، قد عرضت الحركة إلى كثير من المحن والأزمات»(57).

العنف أولًا وأخيرًا

إن الاتجاه المتصاعد للعنف، حسب خصائصه الذاتية، لا يترك مجالًا لأي استراحة يمكن أن تكون منفذًا لدخول السلم وحصوله على فرصة لإحلال الهدوء وحل المشكلات بالطرق السلمية.

لذلك فإن الجماعة التي تستخدم العنف كتكتيك مؤقت في حركة التغيير لا تستطيع عادة أن تتخلص من عقدة العنف الذي تغلغل بنيويًا ـ كما ذكرنا ذلك سابقًا ـ فالأفعال الإنسانية تبقى آثارها وتنطبع ملامحها، بحيث تحفر مميزاتها على السلوك الفردي والعام، فليس هناك انفصام فعلي، بل هو تداخل ينفذ إلى أعماق النظام السلوكي الفردي والاجتماعي.

ومن هنا فإن «ممارسة العنف، مثل كل فعل آخر، من شأنها أن تغير العالم، لكن التبدل الأكثر رجحانًا سيكون تبدلًا في اتجاه عالم أكثر عنفًا»(58).

فالعنف يصبح ممارسة يومية لا غنى عنها، يسيطر على كافة نشاطات الجماعة. وبما أن العنف والسلم فعلان متضادان، فإنهما لا يجتمعان على صعيد فعلين منفصلين، ولا على صعيد التجزؤ والتركيب، حيث لا حالة ثالثة تتشكل بينهما أو من كليهما، على سبيل المثال ليس هناك حالة ثالثة بين الصدق والكذب. وفي حديث عن الإمام أمير المؤمنين (ع): «لا يجتمع العنف والرفق»(59).

إن «خطر العنف يتمثل أولًا في خطر الاستعمال الواسع للعنف، المؤدي في النهاية إلى تغليظ قلوب الذين يستعملونه وإصابتهم بالتلبد الحسي إزاء بعض الظروف والحالات التي يمكن حسمها باللطف واللباقة بدلًا من القوة»(60).

ومن هنا فإن استخدام العنف يترك أثرًا سلبيًا على الحركة التغييرية، وهو عدم قدرتها على استبدال العنف بالسلم في الوقت المناسب، إذ «إن القبول بحتمية العنف يقود إلى استعمال العنف حتى في الحالات التي يمكن أن تفلح في حلها الوسائل السلمية»(61).

المكاسب والخسائر

إذا كان استعمال العنف هو استعمال قائم على كونه مجرد تكتيك وأداة للوصول إلى الهدف، وليس هو الهدف بحد ذاته، فإنه يجب حساب المكاسب التي يحصدها العنف، وهل هي أكثر من الخسائر التي يجنيها؟

عملية المحاسبة يجب ألا تتم على ضوء المنافع الشخصية للجماعة أو قادتها، إذ المفروض أن الكلام في أثر العنف على الحركة التغييرية ذات الأبعاد الحضارية أو الدينية أو الاجتماعية.

إن نظرة إلى واقع ما خلفه العنف من آثار توحي بوجود خسائر كبيرة نالت تلك الجماعات، تفوق بكثير ما يتوهم أنه مكاسب. أهمها أنها تخسر وجودها الرسمي واعتبارها العرفي والجماهيري.

نعم، «إن بإمكان العنف أن يدمر السلطة دائمًا، فمن فوهة البندقية تنبع أكثر القيادات فاعلية، مسفرة عن أكثر أشكال الطاعة كمالًا، أما ما لا يمكنه أن ينبع من فوهة البندقية فهو السلطة. إن إحلال العنف محل السلطة قد يحقق النصر، لكن الثمن يكون مرتفعًا جدًا؛ لأن من يدفعه لا يكون المهزوم وحده، بل يدفعه كذلك الطرف المنتصر، وعلى حساب سلطته الخاصة»(62).

فالعنف ليس إلا استنزافًا غير مجدٍ يشل الحركة ويقضي على إمكاناتها ويزعزع الروح المعنوية للأفراد، إن لم يقض على وجودها الخارجي.

وفي بعض الأحيان، فإن ما يخلفه العنف أكبر من أن يعد من الخسائر، فكلمة عنيفة أو موقف حاد أو عملية مسلحة كفيلة بإشعال أزمة سياسية أو اجتماعية أو حرب ضروس. «إن منظمة الكف الأسود الصربية قد قتلت ولي عهد النمسا وزوجته في سراييفو، فكان لهذا العمل نتائج رهيبة وفائقة الحد، إذ جر الويل على أكثر دول العالم، وأدى إلى عشرة ملايين قتيل»(63).

إن من خواص العنف أنه لا يخضع إلى حسابات الربح والخسارة أو النجاح والفشل؛ لأنه موقف انفعالي خاضع لظروف نفسية تحركها دوافع الانتقام أو الإحباط، أو أنه موقف آيديولوجي يعتمد على تقديس الفكرة لنفسها.

ومع هذه الأرضية في استخدام العنف، فإنه يمثل الخسارة من الوهلة الأولى، إذ إنه ليس عملًا منظمًا خاضعًا لحسابات منطقية في أغلب الأحيان، وليس مناورة سياسية قادرة على استثمار الظروف لخدمة القضية، والحال أن «النصر الحقيقي هو إجبار العدو على التخلي عن مخططاته بأقل تكاليف ممكنة»(64).

وقد قال أمير المؤمنين (ع): «لا عيش لمن لا رفق له»، ويقول الإمام الشيرازي: «إن السلام أحمد عاقبة وأسرع في الوصول إلى الهدف، السلم والسلام والمسالمة أصول توجب تقدم المسالم، بينما غير المسالم والعنيف دائمًا يظل متأخرًا»(65).

ممارسة اللاعنف

يقابل ويضاد كلمة العنف في الاستعمال اللغوي والاصطلاحي كلمة اللاعنف، وقد وردت هذه الكلمة بلفظها في مجموعة من الروايات، منها الرواية المذكورة «عن أمير المؤمنين عندما بعث مصدقًا من الكوفة إلى باديتها... فإذا أتيت ماله لا تدخله إلا بإذنه... فقل: يا عبد الله، أتأذن لي في دخول مالك؟ فإن أذن لك فلا تدخله دخول متسلط عليه فيه ولا عنف به»(66).

ومنها الرواية المروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والإمام جعفر الصادق (ع): «من علامات المؤمن اللاعنف»(67).

ويرادف كلمة اللاعنف، كما هو مذكور في الروايات الشريفة وقواميس اللغة، كلمة الرفق. فعن الإمام محمد الباقر (ع): «إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف»(68). وقال في النهاية: «الرفق لين الجانب، وهو خلاف العنف».

ومن خلال مجموعة الروايات الواردة في مدح الرفق واللاعنف نستنتج أن اللاعنف أقدر على تحقيق التغيير الإيجابي السليم، وأكثر فاعلية في حصد المكاسب، وأقل استنزافًا للإمكانات والموارد البشرية والنفسية، وأعمق تاريخيًا وثقافيًا في ترسيخ المبادئ والقيم.

يقول أمير المؤمنين (ع): «عليك بالرفق، فإنه مفتاح الصواب وسجية أولي الألباب... أفضل الناس أعملهم بالرفق... بالرفق تدرك المقاصد... الرفق يغل حد المخالفة... أرفق توفق... لن لمن غالظك، فإنه يوشك أن يلين لك... بالرفق تهون الصعاب... من استعمل الرفق لان له الشديد... الرفق في المطالب يسهل الأسباب»(69).

إن أهم هدف يحققه اللاعنف هو قدرته على احتواء العدو وتليينه، بينما العنف يثيره ويجعله أكثر قسوة، ذلك «أن الخصم في فلسفة اللاعنف ليس عدوًا يجب إزالته من الوجود، إنما هو إنسان يجب إخضاعه لهزة شعورية إنسانية تفتح عيونه».

ومن هنا فإن اللاعنف يعتمد على قوة الروح لمواجهة بطش الجسد، إذ «إن اللاعنف يختزن قوة معنوية تجبر الخصم على التفكير والتساؤل حول صحة أعماله».

والذي يدفع هذه الفلسفة إلى نبذ العنف كطريقة في مواجهة العنف أن العنف يغلق أبواب الروح ويغلظ القلوب، فلا تعد تستمع إلى إشارات الضمير وهمسات القلوب، بينما اللاعنف موقف يتعامل مع العدو «موقف الشفقة عليه لا موقف العداء له»، ويقول فينوباف: «إن ميدان معركة اللاعنف هو في قلب الإنسان»(70).

ومن كلام للنبي عيسى (عليه وعلى نبينا وآله السلام): «قيل لكم: أحبوا أصدقاءكم، ولكن ذلك ليس بمهم، فإن العشارين أيضًا يحبون أصدقاءهم، وإنما أقول لكم: أحبوا أعداءكم».

ويقول الإمام الشيرازي معلقًا على هذا الكلام: «إن الظاهر من كلام عيسى (ع) أن السبب لا يرجع إلى نفع العدو بمثل ما يرجع بنفع الإنسان نفسه، فإن الإنسان الذي يحب عدوه يقوم بوصله ومواصلته، وذلك ما يسبب رجوع العدو عن عداوته»(71).

إن اتخاذ العنف وسيلة لتحقيق الغايات التغييرية يمكن أن يقود إلى سلسلة من الأعمال العنيفة المتصاعدة واختفاء لغة الحوار والعقل، ولكن اللاعنف يرسخ لغة العقل والمنافسة الهادئة، بحيث يمكن أن يقطع معظم أعمال الانتقام والمقابلة بالمثل، «إذ بذلك يكون ـ اللاعنف ـ الوسيلة الوحيدة لقطع سلسلة العنف، لأن الرد على العنف بالعنف يولد أزمات لا تنتهي، وإذا كان العنف يدفع الخصم لمزيد من الشر فإن اللاعنف يحرره»، وكان بوذا يقول: «ليس بالشر وإنما بالخير نوقفه»(72).

ويعتقد البعض أن ممارسة اللاعنف هي استسلام ذليل نابع من موقف الضعف والخوف، وبالتالي فإن العنف هو موقف القوة والشجاعة فقط. ولكن الطبيعة الإنسانية التي تتكون من جانبين، انفعالي وعقلاني، تثبت عكس ذلك.

فعندما لا يستطيع الإنسان أن يعالج موقفًا ما بروية وتعقل، ويصاب بالعجز والوهن، تنفجر الحالة الانفعالية عنده على شكل فعل عنيف كرد دفاعي يعطيه شعورًا وهميًا بالقوة والشجاعة، أي إن «العنف ما هو إلا قناع لضعف حقيقي، وإن يكن يعيشه المتسلطون أحيانًا بشكل لا واع»(73).

وفي الرواية المروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «إن الله ليبغض المؤمن الضعيف الذي لا رفق له».

إن اللاعنف عمل يتطلب الكثير من الصبر والتحمل والتعقل قبل الإقدام على أي عمل، لذلك «كثيرًا ما يختلط بين اللاعنف والسلبية والاستسلام، لكن الحقيقة غير ذلك، فاللاعنف فعل بطولي يفترض السيطرة التامة على الذات، وإعلان العصيان المدني وعدم التعاون مع السلطات الحاكمة والإضراب...»(74).

فالشجاعة الحقيقية هي الشجاعة التي تتطلب صمودًا نفسيًا قويًا أمام الانفعالات التي تثيرها ظروف الانتقام والقمع والثأر. فبقدر ارتجالية العنف، فإن اللاعنف يحمل في طياته قوة التفكير والحلم والقدرة على إدارة الأزمة بحكمة وبصيرة؛ لأنه «فعل بعيد عن العفوية، ويرتكز على التفكير العميق والتحضير الدقيق، إنه فعل إيجابي يتطلب الشجاعة المعنوية واستبسال الشهداء. إن السلبية التي تتضمنها كلمة اللاعنف ما هي إلا شرك لغوي، فأعمال المناضلين السلميين كلها إيجابية، فالذين يقدمون حياتهم على مذبح العدالة إنما يقدمون دروسًا تربوية وقوة أدبية لخلاص البشر من الشر»(75).

واللاعنف هو الحالة الوسطية بين العنف والاستسلام، لذا فإن ممارسته هي قمة الاعتدال والقدرة على التحكم في الأمور. ومع أن اللاعنف يتطلب استقامة نفسية وحركية طويلة المدى، فإنه أكثر قدرة على تحقيق معطيات التغيير السلمي السليم.

أما الذين يتحركون وفق دوافع الشعور بالظلم والاضطهاد وجرح الكرامة وافتقاد العزة، فليتأملوا قليلًا في ممارسة العنف، ويستبصروا بنتائجه قبل أن يقعوا في دوامته. فالعزة والكرامة والعدل يمكن أن تصبح في ذاكرة التاريخ لو تم التورط في لعبة العنف.

وقد أجاب عقيل بن أبي طالب معاوية ـ لما قال له: إن فيكم يا بني هاشم لينًا ـ قائلًا له: «أجل، إن فينا للينًا من غير ضعف، وعزًا من غير عنف، وإن لينكم يا معاوية غدر، وسلمكم كفر».

وبين العنف واللاعنف يبقى الحد الفاصل في تقرير مصير الحركة الحضارية: فإما اختيار العنف من أجل نصر سريع وانتقام انفعالي وتلطيخ مبادئ الحركة بدماء بريئة ذهبت اعتباطًا، وتبقى مكتوبة في تاريخها، أو اختيار اللاعنف مع صبر طويل والحفاظ على سمعة الحركة، لتبقى مدًا ساميًا يهدر على المستقبل، خالدًا بمبادئه، كما خلدت سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأصبحت مجدًا تفتخر به الإنسانية الباحثة عن الأمن والعدل والتعايش السلمي.

إن حركة اللاعنف حركة تغييرية شاملة باتجاه المستقبل لبناء مستقبل خالٍ من الدموية والانتقام، قائم على العدالة والحب، بينما العنف حركة تعيش حاضرها وهي تنبش بتداعيات الماضي.

*مجلة النبأ، الأعداد (21-22) و(23-24)، 1419هـ.

.....................................

 الهوامش

1 ـ الثائرون، رفعت سيد أحمد، ص31. 

2 ـ الصياغة الجديدة، الإمام الشيرازي، ص595. 

3 ـ المصدر السابق، ص596. 

4 ـ الموسوعة الفلسفية، معهد الإنماء العربي، ص626. 

5 ـ المصدر السابق. 

6 ـ مجلة العلوم الاجتماعية، العدد الرابع/ السنة الرابعة، ص106. 

7 ـ الصحة النفسية، الرفاعي، ص18. 

8 ـ ظاهرة العنف السياسي، حسني توفيق، ص46. 

9 ـ المصدر السابق، ص166. 

10 ـ الإرهاب السياسي، أدونيس العكرة، ص151. 

11 ـ المصدر السابق، ص131. 

12 ـ المصدر السابق، ص135. 

13 ـ ظاهرة العنف السياسي، ص287. 

14 ـ ظاهرة التطرف، محمد بيومي، ص147. 

15 ـ المصدر السابق، ص167. 

16 ـ ظاهرة العنف السياسي، ص225. 

17 ـ مجلة عالم الفكر، المجلد الخامس/ العدد الثالث، ص149. 

18 ـ المصدر السابق، ص147. 

19 ـ ظاهرة العنف السياسي، ص41. 

20 ـ الإرهاب السياسي، ص60. 

21 ـ المصدر السابق، ص77. 

22 ـ الصياغة الجديدة، الإمام الشيرازي، ص364. 

23 ـ المصدر السابق، ص367. 

24 ـ المصدر السابق، ص349. 

25 ـ المصدر السابق، ص353. 

26 ـ المصدر السابق، ص394. 

27 ـ المصدر السابق، ص365. 

28 ـ المصدر السابق، ص595. 

29 ـ بحار الأنوار، المجلد 67، ص310. 

30 ـ المصدر السابق، ص365. 

31 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين، الإمام الشيرازي، ص153. 

32 ـ الصياغة الجديدة، الإمام الشيرازي، ص389. 

33 ـ الفقه القانون، الإمام الشيرازي، ص221. 

34 ـ الإرهاب السياسي، ص164. 

35 ـ الفقه المسائل المتجددة، الإمام الشيرازي، ص215. 

36 ـ موسوعة السياسة، المجلد الرابع، ص324. 

37 ـ في العنف، حنة أرندت، ص6. 

38 ـ المصدر السابق، ص73. 

39 ـ المصدر السابق، ص49. 

40 ـ الموسوعة الفلسفية، ص164. 

41 ـ المصدر السابق، ص164. 

42 ـ المصدر السابق، ص164. 

43 ـ مجلة عالم الفكر، المجلد الخامس/ العدد الثالث، ص151. 

44 ـ الثائرون، رفعت سيد أحمد، ص31. 

45 ـ في العنف، ص72. 

46 ـ المصدر السابق، ص6. 

47 ـ الإرهاب السياسي، ص12. 

48 ـ الحروب والحضارات، ترجمة أحمد عبد الكريم، ص394. 

49 ـ المصدر السابق، ص394. 

50 ـ الإرهاب السياسي، ص131. 

51 ـ في العنف، ص73. 

52 ـ ظاهرة العنف السياسي، ص53. 

53 ـ موسوعة السياسة، المجلد الثاني، ص803. 

54 ـ الإرهاب السياسي، ص79. 

55 ـ المصدر السابق، ص12. 

56 ـ ظاهرة العنف السياسي، ص96. 

57 ـ الإسلام السياسي في مصر، هالة مصطفى، ص121. 

58 ـ في العنف، حنة أرندت، ص73. 

59 ـ تصنيف غرر الحكم، ص244. 

60 ـ مجلة عالم الفكر، المجلد الخامس/ العدد الثالث، ص172. 

61 ـ المصدر السابق، ص167. 

62 ـ في العنف، ص48. 

63 ـ الإرهاب السياسي، ص151. 

64 ـ الاستراتيجية، ليدل هارت، ص94. 

65 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين، ص147. 

66 ـ بحار الأنوار، المجلد 41، ص126. 

67 ـ الوصول إلى حكومة واحدة إسلامية، الإمام الشيرازي، ص39. 

68 ـ بحار الأنوار، المجلد 75، ص60. 

69 ـ تصنيف غرر الحكم، ص243؛ الصياغة الجديدة، ص595. 

70 ـ موسوعة السياسة، المجلد الخامس، ص386. 

71 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين، ص148. 

72 ـ موسوعة السياسة، المجلد الخامس، ص387. 

73 ـ المصدر السابق، ص386. 

74 ـ المصدر السابق، ص385. 

75 ـ المصدر السابق، ص387.

عن الكاتب

صورة الكاتب
مرتضى معاش

عرض السيرة