
يتناول النص مفهوم اللايقين في السياسة الأمريكية خلال عهد ترامب، ويربطه بتذبذب المواقف تجاه روسيا والصين والشرق الأوسط والحلفاء. كما يناقش طبيعة العقل الرأسمالي الأمريكي، وصراع النفوذ مع أوروبا، ومحاولة السيطرة على مسار العولمة، ودور اللوبيات والمصالح الاستراتيجية في تشكيل القرار الأمريكي، مع التأكيد على ضرورة قراءة التحولات الدولية
ناقش مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية موضوعًا تحت عنوان «حالة اللايقين الأمريكي وتأثيراتها على النظام العالمي»، عقدت الندوة الحوارية في بواكير عام 2018، وذلك بمشاركة عدد من مديري المراكز البحثية وبعض الشخصيات الحكومية والحقوقية والأكاديمية والصحفية، في ملتقى النبأ الأسبوعي الذي يعقد صباح كل سبت بمقر مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام.
وهذا ما قاله الشيخ مرتضى معاش:
مفهوم اللايقين هو شيء جديد في المفهوم السياسي اليوم، وهذا المفهوم تجاوز مفهوم الغموض، علمًا أن الغموض الاستراتيجي طُرح في زمن أوباما، وسبب طرحه في زمان أوباما أن موقفه كان غير واضح من إسرائيل، ومن الربيع العربي، ومن أشياء كثيرة، فكانت تسمى سياسة الغموض الاستراتيجي أو سياسة الصبر الاستراتيجي.
أما الآن، فبعد صعود ترامب، طرح المفكرون الغربيون، سواء كانوا من الاقتصاديين أو السياسيين، مفهوم اللايقين، نتيجة لتذبذب المواقف الأمريكية تجاه العديد من القضايا.
هل هي صديقة لروسيا أم عدو لها؟ وهل هي صديقة للصين أم عدو لها؟ وهل هي صديقة للخليج أم عدو له؟ ماذا تريد أمريكا؟ هل تريد قيادة العالم أم الهيمنة عليه؟
هذا يدل على أن المراكز البحثية الأمريكية لا تعرف إلى أين تتجه أمريكا، وقد تكون حالة اللايقين مقصودة في السياسة الأمريكية. وبالتالي فإن الإجابة عن السؤال تتوقف عند ثلاث نقاط:
النقطة الأولى: العقل الرأسمالي الأمريكي لا بد أن يُدرس بعمق، خصوصًا أن العقل الرأسمالي الأمريكي يختلف عن العقل الإقطاعي الأوروبي. وبالتالي فإن العقل الأمريكي هو أكثر ميلًا إلى الطبقة الوسطى، فهو أكثر ثقافة وخروجًا عن الشعور بالتفوق العنصري المطلق. لذلك نجد أن أمريكا الرأسمالية اتجهت نحو الشراكات في العالم، مثل مشروع مارشال ومشروع نمور آسيا. فأمريكا لا تريد الهيمنة بالطريقة الاستعمارية الأوروبية، وإنما تريد قيادة العالم.
النقطة الثانية: أمريكا تصارع أوروبا على الإرث الاستعماري وعلى إرث سايكس بيكو من بعد الحرب العالمية الثانية، وهذا مستمر من زمن نيكسون وكيسنجر وإلى زمننا الحاضر. ولا يزال الصراع الأمريكي البريطاني على إرث سايكس بيكو مستمرًا، والربيع العربي كان ثورة أوروبية لمحاولة استقطاع سايكس بيكو من يد أمريكا.
النقطة الثالثة: أمريكا تريد أن تسيطر على قطار العولمة، وبالتالي إذا خرج قطار العولمة من يدها، تخرج القيادة من عندها. وهي تسعى إلى تحديد قطار العولمة من خلال تحديد الحدود التجارية والاقتصادية مع الصين، وما فعلته مع شركة فيسبوك وشركة أمازون يدل على أنها تريد جعل قطار العولمة يسير بطريقة تخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية.
إن تفسير الموقف الأمريكي في الشرق الأوسط، وخصوصًا في سوريا، هو أن أمريكا تريد أن تجعل المبادرة بيدها في الشرق الأوسط، وهي لا تريد أن تجعل لبريطانيا وفرنسا أي دور في عملية بناء المعادلة السورية والسيطرة على البحر الأبيض المتوسط، الذي يمثل أكبر حقل غاز في العالم.
وقرار ترامب، وهو يوصي بسحب القوات الأمريكية من سوريا، قرار غير مفهوم يعبر عن حالة اللايقين. والضربة الأمريكية هي محاولة لمنع أي ضربة تنفذها أي دولة أخرى، حتى إسرائيل. فقط التدخل المسموح به في سوريا هو التدخل الروسي، وحتى التدخل الإيراني هو تدخل محدود جدًا، وهو لصالح قطار الإدارة الروسية. لماذا؟ لأن روسيا دخلت في المعادلة الأمريكية، وهي شريك ثانوي يحاول أن يمثل المصالح الأمريكية في العالم.
لا بد من قراءة السياسة الأمريكية بعمق أكثر، حتى لا يكون حالنا مثل حال مسعود بارزاني، الذي أخطأ في فهم النظام العالمي والتوجهات الأمريكية وسقط سقوطًا كبيرًا.
أمريكا تقوم على شيء أساس، وهو صراع اللوبيات، وهذه هي طبيعة النظام الأمريكي التي تقوم على تلك اللوبيات. فحينما يصعد لوبي الفحم ينسحب ترامب من معاهدة المناخ. أيضًا نراه بالأمس القريب مع السعودية ويأخذ منها 500 مليار دولار، لكنه يستقبل أمير قطر ويأخذ منه.
النقطة الثانية: إن سياسة الغموض الموجودة في السياسة الأمريكية قائمة على أن أمريكا لها مصالح استراتيجية لا يرضى عنها أصدقاؤها وحلفاؤها، فلذلك تقوم بدور مزدوج بين إرضاء حلفائها وأصدقائها من جهة، ومن جهة ثانية تذهب وراء الصداقة مع روسيا، وأيضًا الاتفاق النووي الإيراني، وتذهب نحو الحوار مع كوريا الشمالية.
هذه النقاط لا بد أن نلاحظها في قضية الاستشراف للمستقبل.
أما النقطة الثالثة، فهي الرجوع إلى سياسات كيسنجر. فيقولون اليوم إن الذي يقف خلف ترامب هو كيسنجر، وهو الذي يواجه ترامب، وهو من أسهم أيضًا في إقصاء أقرب المقربين لترامب.
وهذا يوحي بحالة الرجوع إلى سياسات نيكسون القديمة: «تكتيكات مجنونة، ولكن أهداف معقولة». فلذلك نجد ترامب صاخبًا، لكن نتائجه هادئة. وبالتالي فإن ترامب اليوم لم يفشل، بل ربما نجح، وقد يكون مقبلًا على أربع سنوات قادمة.
لكن مشكلة التيار الليبرالي، الذي خسر خسارة كبيرة، هي أنه يقود الحملة ضد قيادة ترامب، ومن ثم إظهاره كرجل فاشل لا يستطيع أن يتناسب مع المستوى القيادي لأمريكا في العالم.